وقال في موضع آخر (2/ 137): سمعت يحيى بن معين يقول: "مات يحيى بن أيوب - يعني المصري - سنة تسعة وستين ومئة، وكان ثقة".
وقال عثمان بن سعيد الدرامي [تاريخ ابن معين - رواية الدارمي (ص: 196)]: قلت ليحيى، فالليث - أَعنِي بن سعد - أحبّ إِلَيْك أَو يحيى بن أَيُّوب؟ فقالَ: "اللَّيْث أحبّ إِلَيّ، وَيحيى ثِقَة".
وقال إسحاق بن منصور الكوسج [كما في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (9/ 128)] عن يحيى بن معين أنه قال: "يحيى بن أيوب المصري: صالح". وقال مرة: "ثقة".
وقال الساجي [كما في إكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (12/ 290)]: وقال يحيى بن معين: "يحيى بن أيوب: ثقة ثقة عابد".
قلت: نقل ابن محرز، والدارمي، والكوسج عن يحيى أنه قال عنه: "ثقة".
ونقل الكوسج مرة عن يحيى أنه قال فيه: "صالح".
وفرق بين "ثقة" و"صالح، فـ "صالح" أدنى مرتبة، وهي إلى الضعف أقرب، ومعنى "صالح" أي صالح للاعتبار، فلا يُحتج بما انفرد به، ويحتاج لدعامة = أي متابع.
والظاهر أن يحيى وثقه أولاً، ثم تغير اجتهاده فيه، فقال عنه "صالح"، وعادة إذا اختلف كلام ابن معين في الراوي، فهناك بعض الطرق للترجيح بين هذه الأقوال، وأكثر طريقة للترجيح هي أنه إذا تعارض "التجريح" مع "التوثيق" أو مرتبة أخرى دونها، فعندها نُرجّح أن آخر اجتهاد من ابن معين هو "التجريح" أو القول الآخر دون الثقة، ويُحمل هذا على تغير اجتهاده في الراوي، فيكون قد وثقه لما سُئل عنه، ثم نظر في حديثه فلما سئل عنه مرة أخرى جرّحه أو قال مقولة أدنى مرتبة من تلك التي قالها فيه من قبل، والله أعلم.
وتُعد رواية الدارمي عن ابن معين من الروايات القديمة، ورواية الكوسج من أواخر الروايات عن ابن معين كما لاحظته من خلال سبري وتعاملي لتلك الروايات.
وفي سؤال الدارمي ليحيى قدّم الليث بن سعد عليه، وقد خالف الليث في بعض الأحاديث، ورجّح أئمة النقد رواية الليث عليه.
قال ابن مُحرز [تاريخ ابن معين - رواية ابن محرز: (1/ 154)]: وسمعت يحيى يقول: "كان يحيى بن أيوب يقع في ليث بن سعد! قال: فمر به ليث يومًا - وهو مضطجع في المسجد - فركضه برجله، فقام فاستنهض إلى خلفه، وسلَّم عليه، قال: ثم وجّه إليه بمائة دينار. قال: فكان بعد ذلك يثني عليه، ويحسن فيه القول. قيل ليحيى بن معين: ممن سمعته يذكره؟ قال: من أهل مصر".
وقال عبّاس الدوري [تاريخ ابن معين - رواية الدوري: (4/ 476)]: سَمِعت يحيى يَقُول: "كَانَ لَيْث بن سعد يجئ إِلَى المَسْجِد يُصَلِّي فِيهِ كل صَلَاة على فرس، وَكَانَ لَهُ مجْلِس يجلس فِيهِ، وَكَانَ يحيى بن أَيُّوب يجلس فِي نَاحيَة المَسْجِد، قَالَ: فَمر لَيْث بن سعد يَوْمًا فغمزه، فَقَامَ مَعَه يحيى بن أَيُّوب إِلَى مَجْلِسه، فَكَانَ لَيْث بن سعد يَقُول لَهُ: مَا عنْدك فِي كَذَا؟ فَيُجِيبهُ يحيى بن أَيُّوب، فَبعث إِلَيْهِ لَيْث بن سعد بِمِائَة دِينَار، فَكَانَ يلْزمه".
·…البخاري:
قال مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (12/ 287): "وفي «العلل الكبير» للترمذي: قال محمد بن إسماعيل: يحيى بن أيوب ثقة".
وقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (11/ 187): "وقال الترمذي عن البخاري: ثقة".
قلت: غالب ما ينقله ابن حجر في «تهذيب التهذيب» زيادة على ما عند المزي في «تهذيبه» إنما يأخذه من كتاب مُغلطاي، ومنه نقل ما ذكره هنا عن الترمذي عن البخاري.
وهذا الذي نقله مغلطاي مخالف لما في المطبوع من كتاب الترمذي «العلل الكبير»، فإنه قال (ص 118): "ويَحْيَى بنُ أَيُّوبَ: صَدُوقٌ".
وهذا قاله البخاري بعد أن سأله الترمذي عن حديث، إذ قال: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا قُلْتُ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ»؟