ثُم عقّب ابن حجر على ما جاء في ((مختصر الجويني)): أن بعضهم أقام ما رواه، أي ابن عبدالحكم قولاً.
فقال ابن حجر: "وإن كان كذلك فهو قول قديم، وقد رجع عنه الشافعي كما قال الربيع، وهذا أولى من إطلاق الربيع تكذيب محمد بن عبدالله بن عبدالحكم؛ فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، وإنما اغتر محمد بكون الشافعي قص له القصة التي وقعت له بطريق المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ولا شك أن العالم في المناظرة يتقذر القول، وهو لا يختاره، فيذكر أدلته إلى أن ينقطع خصمه، وذلك غير مستنكر في المناظرة، والله أعلم".
وقد نقل ابن القيم جواباً للبيهقي يُنزه فيه الشافعي أن يناظر في مسألة يعتقد بطلانها. قال ابن القيم في ((حاشيته)) (6/ 143): "قيل: هذه الحكاية مختصرة من مناظرة حكاها الشافعي جرت بينه وبين محمد بن الحسن يكون منه تحريم إتيان غيره، فالإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرم بدلالة الكتاب، ثم السنة، فذكر حديث عمّه، ثم قال: ولست أرخص به أنهي عنه.
فلعل الشافعي -رحمه الله- توقف فيه أولاً، ثم لما تبيّن له التحريم وثبوت الحديث فيه رجع إليه، وهو أولى بجلالته ومنصبه وإمامته من أن يناظر على مسألة يعتقد بطلانها يذب بها عن أهل المدينة جدلاً، ثم يقول: والقياس حلّه، ويقول: ليس فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التحريم والتحليل حديث ثابتٌ على طريق الجدل، بل إن كان ابن عبدالحكم حفظ ذلك عن الشافعي فهو مما قد رجع عنه لما تبين له صريح التحريم، والله أعلم. وفي سياقها دلالة على أنه إنما قصد الذب عن أهل المدينة على طريق الجدل، فأما هو فقد نص في كتاب عشرة النساء على تحريمه. هذا جواب البيهقي.
والشافعي -رحمه الله- قد صرّح في كتبه المصرية بالتحريم، واحتج بحديث خزيمة وَوَثق رواته. وقال في الجديد: قال الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾، وبيّن أن موضع الحرث هو موضع الولد، وأن الله تعالى أباح الإتيان فيه إلا في وقت الحيض، وأنى شئتم بمعنى من أين شئتم. قال: وإباحة الإتيان في موضع الحرث يشبه أن غرساً للزرع".
وحاصل الأمر في حال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم فيما نقله عن الشافعيّ:
1 - أنه كذب على الشافعي، وهذا قول الرّبيع بن سليمان.
ِ2 - أنه أخطأ في النقل عن الشافعيّ! وأصل هذا الكلام هو مناظرة حصلت بين الشافعي وبين محمد بن الحسن، وما قاله على سبيل الافتراض في المناظرة. ورُدّ هذا بأن الشافعي ينزه عن مثل ذلك.
3 - أن رأيه القديم كان لا بأس بإتيان النساء في أدبارهن، ثم غيّر رأيه في الجديد فنهى عن ذلك!
قلت: مسألة أنه أخطأ في نقل ذلك عن الشافعي فيه نظر!! وكذلك أنه كان في مذهبه القديم يجيز ذلك ثم انتقل عنه إلى النهي عن ذلك، فيه نظر أيضاً!!
ولم يتبين لي ما هو الراجح، وأنا متوقفٌ في هذه المسألة.
والله أعلم.