تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل آخر : قد تضع على الطاولة مسحوقاً من الملح ، ومسحوقاً من السكر ، ومسحوقاً من المواد المنظفة ، المواد كلها جيدة ، وثمينة ، ولها قيمة في حياتنا ، ما هو الشر ؟ أن تضع مسحوق الغسيل في الطبخ ، فلا تأكله ! أو أن تضع الملح في الشاي فلا تشربه ، أو أن تضع السكر لجلي الصحون ، فلا يتم تنظيفها ، فالشر سوء استخدام سلبي ، وليس إيجابيًا ، لذلك قالوا: الشر المطلق لا وجود له في الكون ، لأن الله ذات كاملة ، لكن في مخلوق الله عز وجل خلقه ، وكرمه ، ومنحه حرية الاختيار ، وأودع فيه الشهوات ليرقى بها إلى رب الأرض والسماوات ، أعطاه منهجاً هو الشرع الحكيم ، وأعطاه عقلاً ليكون مقوداً له ، عطل عقله ، أو ألغى شرعه ، أو ألغى عقله وشرعه ، واندفع بشهواته اندفاعاً أعمى ، لا بد من أن يقع بالعدوان ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تنطلق بقوة شهواتك من دون منهج وعقل دون أن تعتدي على الآخرين ، وهذا الذي ترونه ، وتسمعونه كل يوم قوة طاغية وشهوات مستعرة واندفاع أعمى ، فلابد أن ينهبوا ثروات العالم ، وأن يعيشوا على حساب بقية الشعوب ، ولابد أن يغتنوا على حساب الشعوب ، ولابد أن يطمئنوا على إخافة الشعوب ، وأن يبنوا مجدهم على أنقاض الشعوب ، مستحيل أن تندفع بقوة الشهوة من دون منهج ، ومن دون مقود ، من دون عقل يردعك ، ومن دون منهج تسير عليه إلا أن ترتكب الجرائم تلو الجرائم دون أن تشعر ، فالشر لا يكون إلا من مخلوق أعطي الاختيار ، أودعت فيه الشهوات ، ووضع له منهج ، أعطي العقل ، شهواته متحركة مندفعة اندفاعاً أعمى ، عطل عقله ، ولم يعبأ بالمنهج ، واختار أن يروي شهواته تروية من دون أمر أو نهي ، فكان الذي ترونه من فساد .

(سورة الروم)

الفساد لا يحتاج إلى خالق ، لأنه سلبي .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٦٥٢