تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو بعت بذوراً ، وقد مضى عليها أمداً طويلاً فقلّ إنباتها ، وأوهمت المشتري بأنها بأعلى درجة من الإنبات ، لقد خنت الأمانة ، ما من صاحب حرفة إلا وحرفته أمانة في عنقه، فإما أن يغش الناس ، أو أن يصدقهم ، إما أن يرحمهم ، وإما أن يقسو عليهم ، إما أن يضللهم، وإما أن يعاملهم معاملةً طيبة.

سيدنا عمر التقى والياً فقال له : ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال أقطع يده ، قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .

أيها الإخوة الكرام ، ليس من باب المصادفة أن تأتي الأمانة جمعاً في الآية الكريمة ، ابنك أمانة ، زوجتك أمانة ، الموظف الذي في عملك أمانة ، قد تكون من أصحاب الحرف ، إنسان ركّب صحنًا على السطح ، حرمة الصحن موضوع آخر ، من أجل السرعة وضع بعض البراغي في أيام عاصفة طار الصحن ، وقتل طفلةً بسبب إهمال هذا الذي ركبه ، فكل خطر يتأتى بسبب إهمالك ، وبسبب عدم أداء الأمانة محاسب عليه .

[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(58)] .

أنت قاض ينبغي أن تحكم بالعدل ، ينبغي أن تتريث ، ينبغي أن تحقق ، ينبغي أن تسأل ، ينبغي أن تستمهل حتى يأتي الحكم صحيحاً عادلاً ، والله أيها الإخوة لو علم الناس ما في هذه الآية من مسؤولية لارتعدت مفاصلهم ، ولارتجفت قلوبهم .

[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا(58)] .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٦٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٦٤٠