دخل أبو حنيفة النعمان على أبي جعفر المنصور ، وكان عند أبي جعفر أحد القضاة الذين هم من أعداء أبي حنيفة ، أراد هذا القاضي أن ينتقم من أبي حنيفة ، فقال يا إمام إذا أمرني الخليفة ـ وعلى مسمع من الخليفة ـ بقتل امرئ أأقتله أم أتريث ـ ماذا يقول له ؟ قال له : الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ قال : له على الحق ، قال له : كن مع الحق ، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته .
( سورة الشورى الآيتان : 39 ـ 40) .
أيها الإخوة ، الله عز وجل يذم أولئك الذين يمدحون أنفسهم ، والأولى ألا تزكي نفسك ، وألا تزكي على الله أحدا ، لأن الجهة الوحيدة التي تعرف كل شيء تعرف الظاهر ، وتعرف الباطن ، وتعرف السر ، وتعرف ما خفي عن صاحبها ، هي الله جل جلاله ، لا تخفى عليه خافية ، كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ من خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور ، قد تكون في موقف لا يستطيع أحد على وجه الأرض أن يحاسبك ، لكن الله معك ، ويحاسبك فالذي يخشى الله فيما بينه وبين الله هذا من قوة إيمانه ، ومن شدة توحيده لله عز وجل ، إذاً يزكون ، ينفون عن أنفسهم المعايب ، ويلبسونها الفضائل ، وكله كلام بكلام ، ألا تعلمون أن شعر الفخر في الجاهلية كلام بكلام ، ألم يقل المتنبي :
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي … و أسمعت كلاماتي من به صمم
أنام ملئ جفوني عن شواردها……ويسهر الخلق جراها و يختصم
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
***
وجاهل مده في جهله ضحكي ……حتى أتته يد فراسة وصم
***
إذا رأيت نيوب الليث بارزة……فلا تظنن أن الليث يبتسم
كلام بكلام ، كان في طريقه من البصرة إلى حلب مع غلامه فجاءه بعض الأعداء فول هارباً ، قال له غلامه ألم تقل :
الخيل والليل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم
قال له : قتلتني قتلك الله ، فعاد وقاتل حتى قتل .