لذلك لما كان سيدنا عمر يمشي في طرق المدينة مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، ورأى قافلة قد نصبت خيامها في المدينة قال عمر لعبد الرحمن : تعال يا عبد الرحمن نحرس هذه القافلة، فجلسا في الليل ، فإذا بطفل صغير يبكي ، فقام عمر لأمه ، وقال : أرضعيه ، فأرضعته ، ثم أعاد الكرة ، فبكى ، فقام إليها ثانية ، وقال : لها : أرضعيه ، ويبدو أن عمر كان عصبياً ، ففي المرة الثالثة قال لها : يا أمة السوء أرضعيه ! لمَ لا ترضعيه ؟ عندئذ غضبت هذه المرأة وقالت : وما شأنك بنا ؟ إنني أفطمه ، قال : ولمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام ، أي التعويض العائلي ! فضرب سيدنا عمر وجهه وقال : ويلك يا ابن الخطاب ، ويلك كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ عدّ نفسه قاتلاً ، وقال كتاب السيرة في صبيحة اليوم : صلى الفجر بالناس ، فما استطاع المصلون أن يفهموا كلامه من شدة بكائه ! فكان يقول : يا رب ، هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ؟ فإذا شعرت أن الله تاب عليك ، وقبلك وعفا عنك فأنت أسعد الناس .
أنا أسوق هذه المعاني أيها الإخوة ، لأننا بحاجة إليها ، لو كنت مستضعفاً ، لو لم تملك تلك الأسلحة الجبارة ، لكنك توفيت على إيمان ، وعلى طاعة فأنت الناجح المنتصر ، والله لا أبالغ إذا جاء الموت ، وأنت على طاعة ، وعلى عقيدة سليمة ، وطاعة لله مخلصة فأنت المنتصر .
ماذا قال الله تعالى عن أصحاب الأخدود ؟ .
(سورة البروج)
لقد أثنى والله عز وجل عليهم ، وبيَّن أن هذا الذي أحرقهم هو إلى جهنم ، وبئس المصير ، فلذلك شعور الإنسان أن الله تاب عليه ، وقبله لا يعلمه إلا من ذاق حلاوة التوبة ، وحلاوة الصلح مع الله، وحلاوة الإقبال عليه ، وحلاوة التقلب في نعيم القرب منه .