تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

59.19-21

﴿ ولا تكونوا كالذين نسوا الله ﴾ بالاحتجاب بالشهوات الجسمانية والاشتغال باللذات النفسانية ﴿ فأنساهم أنفسهم ﴾ حتى حسبوها البدن وتركيبه ومزاجه فذهلوا عن الجوهرة القدسية والفطرية النورية ﴿ أولئك هم الفاسقون ﴾ الذين خرجوا عن الدين القيم الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وخانوا وغدروا وجاسوا ونبذوا عهد الله وراء ظهورهم فخسروا.

﴿ لا يستوي ﴾ الناسون الغادرون الذين هم ﴿ أصحاب النار و ﴾ المؤمنون المتحققون المتقون الموفون بعهدهم الذين هم ﴿ أصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون ﴾ والخاسرون لفرط غفلتهم وذهاب تمييزهم كأنهم لا يفرقون بين الجنة والنار وإلا لعلموا بمقتضى تمييزهم ﴿ على جبل ﴾ أي: قلوبهم أقسى من الحجر في عدم التأثر والقبول إذ الكلام الإلهي بلغ من التأثير ما لا إمكان للزيادة وراءه حتى لو فرض إنزاله على جبل تأثر منه بالخشوع والانصداع.

59.22-24

﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو ﴾ لما كان الإسلام مبنيا على الجمع والتفصيل كثر تكرارهما في المثاني، أي: لا إله في الوجود إلا هو، فجمع ثم فصل بقوله: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ والعلم مبدأ التفصيل إذ عالميته هي تميز الحقائق وأعيان الماهيات في عين الجمع أي: صور الماهيات في عالم الغيب عن عالميته ووجوداتها في عالم الشهادة هي بعينها ظهرت في مظاهر محسوسة لا بمعنى الانتقال بل بمعنى الظهور والبطون كظهور الصورة المعلومة على القرطاس بالكتابة، فكل ما ظهر فعن علمه السابق ظهر.

﴿ الرحمن ﴾ بإفاضة وجودات الماهيات وصورها النوعية على المظاهر باعتبار البداية ﴿ الرحيم ﴾ بإفاضة كمالاتها في النهاية. ثم كرر التوحيد الذاتي باعتبار الجمع لينبه على أن هذه الكثرة المعتبرة باعتبار تفاصيل الصفات لا تنافي وحدته الذاتية كالإضافيات والسلبيات المعدودة بعده ﴿ الملك ﴾ أي: الغني المطلق الذي يحتاج إليه كل شيء المدبر للكل في ترتيب النظام، الحكمي الذي لا يمكن كون أتم وأكمل منه ﴿ القدوس ﴾ المجرد عن المادة وشوائب الإمكان في جميع صفاته فلا يكون شيء من صفاته بالقوة وفي وقت دون وقت ﴿ السلام ﴾ أي: المبرأ عن النقائص كالعجز ﴿ المؤمن ﴾ لأهل اليقين بإنزال السكينة ﴿ المهيمن ﴾ الحافظ لمن أمنه على حالة الأمن من كل مخوف ﴿ العزيز ﴾ القوي الذي يغلب ولا يغلب ﴿ الجبار ﴾ الذي يجبر كل أحد على ما أراد ﴿ المتكبر ﴾ المتعالي عن أن يصل إليه غيره ويقارنه في الوجود ﴿ سبحان الله عما يشركون ﴾ بإثبات الغير ﴿ الخالق ﴾ المقدر للمظاهر على حسب ما أراد ظهوره من أسمائه وصفاته ﴿ البارىء ﴾ المفصل المميز بعضها عن بعض بالهيئات المتميزة في عين ذاته ﴿ المصور ﴾ لصورة تفاصيل مظاهر صفاته ﴿ له ﴾ هذه ﴿ الأسماء الحسنى ﴾ الظاهرة في صور المخلوقات المصورة الباطنة في صور المبدعات المغيبة ليسبح ذاته على لسان أسمائه وصفاته والله أعلم.

تفسير القرآن · الصفحة ٥٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٥٧٥