تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

43.37-60

﴿ وإنهم ليصدونهم ﴾ وإن الشياطين يصدون قرناءهم عن طريق الوحدة وسبيل الحق ﴿ ويحسبون ﴾ الهداية فيما هم عليه ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ أي: حضر عقابنا اللازم لاعتقاده وأعماله والعذاب المستحق لمذهبه ودينه تمنى غاية البعد بينه وبين شيطانه الذي أضله عن الحق وزين له ما وقع بسببه في العذاب واستوحش من قرينه واستذمه لعدم الوصلة الطبيعية أو انقطاع الأسباب بينهما بفساد الآلات البدنية.

﴿ ولن ينفعكم ﴾ التمني وقت حلول العذاب واستحقاق العقاب إذ ثبت وصح ظلمكم لاشتراككم في سببه، أو: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب من شدته وإيلامه.

43.61-65

﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ أي: أن عيسى عليه السلام مما يعلم به القيامة الكبرى وذلك أن نزوله من أشراط الساعة. قيل في الحديث:

" ينزل على ثنية من الأرض المقدسة اسمها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال ويكسر الصليب ويهدم البيع والكنائس ويدخل بيت المقدس والناس في صلاة الصبح، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى عليه السلام ويصلي خلفه على دين محمد صلى الله عليه وسلم "

فالثنية المسماة أفيق إشارة إلى مظهره الذي يتجسد فيه، والأرض المقدسة إلى المادة الطاهرة التي يتكون منها جسده، والحربة إشارة إلى صورة القدرة والشوكة التي تظهر فيها. وقتل الدجال بها إشارة إلى غلبته على المتغلب المضل الذي يخرج هو في زمانه. وكسر الصليب وهدم البيع والكنائس إشارة إلى رفعه للأديان المختلفة. ودخوله بيت المقدس إشارة إلى وصوله إلى مقام الولاية الذاتية في الحضرة الإلهية الذي هو مقام القطب. وكون الناس في صلاة الصبح إشارة إلى اتفاق المحمديين على الاستقامة في التوحيد عند طلوع صبح يوم القيامة الكبرى بظهور نور شمس الوحدة. وتأخر الإمام إشارة إلى شعور القائم بالدين المحمدي في وقته بتقدمه على الكل في الرتبة لمكان قطبيته وتقديم عيسى عليه السلام إياه واقتداؤه به على الشريعة المحمدية إشارة إلى متابعته للملة المصطفوية وعدم تغييره للشرائع وإن كان يعلمهم التوحيد العياني ويعرفهم أحوال القيامة اللكبرى وطلوع الوجه الباقي، هذا إذا كان المهدي عيسى ابن مريم على ما روي في الحديث:

" لا مهدي إلا عيسى ابن مريم "

، وإن كان المهدي غيره فدخوله بيت المقدس: وصوله إلى محل المشاهدة دون مقام القطب والإمام الذي يتأخر هو المهدي، وإنما يتأخر مع كونه قطب الوقت مراعاة لأدب صاحب الولاية مع صاحب النبوة، وتقديم عيسى عليه السلام إياه لعلمه بتقدمه في نفس الأمر لمكان قطبيته وصلاته خلفه على الشريعة المحمدية اقتداؤه به تحقيقا للاستفاضة منه ظاهرا وباطنا والله أعلم.

وإنما قال: ﴿ واتبعون هذا صراط مستقيم ﴾ لأن الطريقة المحمدية هي صراط الله لكونه باقيا به بعد الفناء فدينه دين الله وصراطه صراط الله واتباعه اتباع الله، فلا فرق بين قوله: ﴿ واتبعون ﴾ ، وقوله: واتبعوا رسولي، ولهذا كان متابعته تورث محبة الله إذ طريقه هي طريق الوحدة الحقيقية التي لا استقامة إلا لها ولهذا لم يسع عيسى إلا اتباعه عند الوصول إلى الوحدة وارتفاع الاثنينية يوجب المحبة الحقيقية.

تفسير القرآن · الصفحة ٥٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير القرآنص ٥٠٣