تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51.20-21

الأرض هي الأرض التي نعيش عليها وهي مفردة، وفي الحقيقة هى أراضي متعددة، كما قال تعالى:

خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن..

[الطلاق: 12] فهي إذن سبع أرضين. قالوا: لأن الأرض بيئات متعددة من حيث الطقس حرارة وبرودة، ومن حيث التربة وما تحويه من عناصر وما تخرجه من خيرات. ومن هنا تعددت الأراضي، لذلك العلماء يقولون: هذا حزام القمح مثلا، وهذا حزام الموز، وهذا حزام كذا. فالحق سبحانه أعطى كل أرض ما يصلحها لنبات معين يناسب السكان عليها، والعيب أننا ننقل إنتاج أرض إلى أرض أخرى لا يصلح لها، ولو صلح للسكان هنا لكان موجودا عندهم. لذلك نجد النبات في غير أرضه تصيبه الآفات، فلو نظرنا مثلا إلى حزام الموز تجده في أماكنه قويا لا تصيبه آفة ولا عطب، فإذا نقلته إلى غير أرضه كثرت فيه الآفات وأصابه العطب. كأن الخالق سبحانه يقول لنا: هذا ليس مخلوقا لبيئتك، بل له بيئته التي يجود فيها، حيث تتوفر له مقومات نموه. والآيات جمع آية، وهي العلامة الدالة على قدرة الخالق سبحانه، وأول الآيات في الأرض نلحظها في توزيع رقعة الأرض بين الماء واليابسة، الماء منه عذب فرات، ومنه ملح أجاج. العذب نشرب منه، ونسقي الزرع والدواب، والمالح نأخذ منه الأسماك

ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها..

[فاطر: 12]. والأرض فيها الخصب السهل الصالح للزراعة، ومنه الصحاري والجبال، وفي كل منها الخيرات التي تناسبه. ومن الآيات في الأرض أن الماء ثلاثة أرباع اليابسة، والحكمة من ذلك أن تتسع رقعة الماء، وتتسع رقعة البخر التي تعطينا بعد ذلك المطر الذي يكفي للشرب وللزراعة. إذن: الماء المالح هو مخزن الماء في الأرض، وجعله الله مالحا ليحفظه من العطب ويصونه من التغير، يقول تعالى:

وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون

[الأعراف: 57]. ومن الآيات في الأرض أن مجاري المياة العذبة أعلى مستوى من مجاري المياه المالحة، ولو أن المالح كان أعلى لأفسد المياة العذبة ولما انتفعنا بها، يقول تعالى:

بينهما برزخ لا يبغيان

[الرحمن: 20]. ومن عجائب القدرة في خلق النبات أن تجد أجود أنواع النخيل والتين مثلا على الشواطىء المالحة كما في العريش وغيرها، وهذه من طلاقة القدرة التي لا تخضع للأسباب، إنما تفعل ما تريد، فمن الماء المالح نأكل أشهى وأحلى الثمار. ومن الآيات في الأرض الجبال:

ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود

[فاطر: 27] والجبال كما قلنا هي مخازن الخصب، ومخازن القوت، ومخازن للخيرات الكثيرة من المعادن والأحجار الكريمة.

وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه نثر الخيرات ووزعها على الأرض كلها، بحيث إذا أخذنا من الأرض قطاعا من محيط الأرض إلى مركزها لوجدنا فيه من الخيرات ما يساوي القطاع الآخر، فهذا به معادن، وهذا بترول، وهذا مزروعات، وهكذا. ومن الآيات في الأرض أن تجد التربة واحدة وتسقى بالماء الواحد، ومع ذلك تعطي مختلف الثمار ومختلف الطعوم

وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون

[الرعد: 4]. نعم يعقلون قدرة الله في الخلق، وأن هذه الآيات مخلوقة لقادر حكيم قيوم. وهنا قال ﴿ آيات للموقنين ﴾ [الذاريات: 20] أي: الذين يوقنون بذلك ويؤمنون به، فأعظم درجات العلم هي العلوم الكونية التي تبحث في الكون، وتستدل بآياته على قدرة الله. اقرأ مثلا:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦١٣