51.23
حكى الأصمعي أنه قابل يوما أعرابيا، فسأله الأعرابي: من أين؟ فقال: من أصمع، قال: من أين أتيت؟ قال: من المسجد، قال: وماذا تصنعون فيه؟ قال: نقرأ قرآن الله، قال: فاقرأ علي. فقرأت عليه سورة الذاريات حتى وصلت إلى قوله تعالى:
وفي السمآء رزقكم وما توعدون
[الذاريات: 22] فأتى بأدوات الصيد التي كانت معه فكسرها، وقال: ما دام رزقي في السماء والله لا يكذب. قال الأصمعي: فخرجت مع هارون الرشيد للحج، فلقيت هذا الأعرابي لكنه كان هذه المرة نحيفا مصفر اللون فقلت له: ألست فلانا؟ قال: ألست الأصمعي؟ قلت: نعم ما الذي صيرك إلى هذا؟ فقال: اقرأ علي ما قرأته سابقا فقرأت عليه إلى قوله تعالى: ﴿ فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون ﴾ [الذاريات: 23] فتعجب وقال: ومن أغضب الجليل حتى ألجأه أن يقسم. وظل يرددها، فما انتهى من الثالثة حتى فاضت روحه معها. وحكيت مرة أنني كنت أحج أنا والشيخ أحمد أبو شقرة، فعن لنا أن نصعد إلى غار حراء، فقال لي: نريد دليلا يرشدنا فقلت له: نحن نعرف الطريق وسرنا، لكن وجدنا أنهم كسروا الطريق المؤدية إلى الغار فضللنا. ثم تنحى صاحبي عني جانبا ليبول، وفجأة قال لي: انظر يا شيخ. فنظرت. فإذا بحشرة أتت وأخذت تشرب من بوله، فقلت: سبحان الله وكأننا ضللنا الطريق لنسقي هذه الحشرة، ثم مر بنا رجل عرف أننا ضللنا الطريق فأرشدنا. الحق سبحانه وتعالى هنا يقسم بذاته سبحانه، وربوبيته للسماء والأرض، لأن السماء ينزل منها المطر، والأرض تستقبل هذا المطر، وتنبت به النبات الذي به قوام المعيشة والحياة. وقوله: ﴿ إنه لحق.. ﴾ [الذاريات: 23] أي قوله تعالى:
وفي السمآء رزقكم وما توعدون
[الذاريات: 22] هذا قول حق لا شك فيه، لأنه تقدير أزلي سجل في اللوح المحفوظ. ثم يعطينا مثالا يجسم لنا هذه المسألة، فيقول ﴿ مثل مآ أنكم تنطقون ﴾ [الذاريات: 23] فكما تدرك أنك تتكلم، وكما أنك متأكد من هذه الحقيقة ولا تشك فيها لأنك تباشرها بنفسك، فكذلك لا تشك في مسألة الرزق، وأنه من عند الله وثق بهذا الخبر، لأن الذي أخبرك به صادق.