51.52-53
قوله تعالى: ﴿ كذلك.. ﴾ [الذاريات: 52] أي: كما حدث لمن تقدم، وحصل لهم ما حصل من نزول العذاب بهم بالصاعقة وبالريح العقيم فانتظر أن ينزل بهم مثل هذا، فما هم عنه ببعيد، ولا تحزن فلست أول رسول يكذبه قومه ﴿ كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ﴾ [الذرايات: 52]. وسبق أن اتهموا رسل الله بالسحر وبالجنون، فاصبر
فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون
[غافر: 77]. يعني: إن لم ينزل بهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة. وقد رحم الله هؤلاء المكذبين لرسوله رغم كفرهم وعنادهم تقديرا لوجود رسول الله بينهم، وهذا هو معنى قوله تعالى:
وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون
[الأنفال: 33]. وقد كان سيدنا رسول الله حريصا على هداية قومه مهما حدث منهم، وكان يناجي ربه دائما يقول: أمتي أمتي. وسبق أن بينا بطلان هذا الاتهام، فالنبي لا يكون أبدا ساحرا ولا مجنونا، فهاتان الصفتان أبعد ما تكونان عن وصف النبي، لأنه قدوة في السلوك وما شاهدتم عليه أبدا علامة من علامات السحر أو الجنون. ولو كان ساحرا لسحركم فآمنتم به كما آمن غيركم، ولو كان مجنونا لما استطاع ترتيب الأمور على هذه الصورة ولما بلغكم رسالة ربه، ثم إن الاتهام بالسحر ينافي الاتهام بالجنون، فكيف جمعتم عليه هاتين الصفتين؟ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ أتواصوا به.. ﴾ [الذاريات: 53] كأن الأمم المكذبة على مر التاريخ أوصى بعضهم بعضا بهذا القول: قولوا للنبي ساحر ومجنون، وكأنه اتفاق مسبق بينهم وإصرار منهم على تكذيب الرسل، والتمادي في اللدد والعناد. لذلك يضرب الله عنهم وعن اتهاماتهم، ويقول: ﴿ بل هم قوم طاغون ﴾ [الذاريات: 53] أي: دعك من هؤلاء، فهم قوم طاغون. أي: متجاوزون للحدود.