تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك "

والذي تراه يكون حاضرا ليس غيبا، وتصور أنك أجير عند رجل يجلس خلفك يراقبك ويرصد كل تحركاتك، هل تستطيع عنده إذن أن تتهاون في عملك أو تقصر فيه؟ كذلك حال المحسن في عبادته، وقد ورد في الحديث القدسى:

" يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ".

وقوله تعالى: ﴿ وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ [الذاريات: 18] الأسحار جمع السحر، وهو آخر الليل وقبل طلوع الفجر، حيث يظهر ضوء بسيط يخيل للإنسان أنه ضوء الشمس وهي لم تطلع بعد، ولذلك يسمى ضوءا تخيليا. ومنه كلمة السحر، فالسحر قلب للحقائق بطريق التخيل ولا حقيقة له، ومنه قوله تعالى:

سحروا أعين الناس..

[الأعراف: 116]. ووقت السحر من أفضل الأوقات للاستغفار، لكن مم يستغفر هؤلاء الذين وصفهم ربهم بالتقوى، وأنهم أخذوا ما آتاهم ربهم، وأنهم نالوا درجة الإحسان، وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون؟ إذن: ليس لهم ذنوب يستغفرون الله منها، قالوا: إن لهؤلاء استغفارا يليق بدرجة الإحسان، فهم لا يستغفرون الله من ذنوبهم، بل يستغفرونه للتقصير الذي يظنونه في عباداتهم وأعمالهم وكأنهم استقلوا ما فعلوه ورأوه دون ما يستحق الله تعالى من التقدير والعبادة، وهذا من باب " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". وقوله تعالى: ﴿ وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم ﴾ [الذاريات: 19] نسب إليهم المال، فقال ﴿ أموالهم.. ﴾ [الذاريات: 19] لأنه يتملكه الآن وإن كان في الحقيقة مال الله، والإنسان مستخلف فيه إلى حين. لذلك قال سبحانه:

وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه..

[الحديد: 7]. والإنسان خليفة لله في الأرض، وعليه بمقتضى هذه الخلافة أن يطيع أمر من استخلفه بأن يعطي السائل والمحروم من مال الله المستودع عنده، يعطي العاجز غير القادر على العمل والكسب، حتى لو يعطيه شكرا لله الذي منحه القوة ليعمل، في حين أن غيره عاجز محروم من هذه القوة.

والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا بذلك إنما يؤمن حياة ومستقبل القادر وغير القادر على العمل، لأن الدهر يتقلب بالناس، وأحداث الحياة دائمة التغيير، وربما أصبح القادر اليوم غير قادر غدا، وعندها يجد من يمد إليه يد المساعدة. لذلك قلنا: إن الشارع الحكيم علمنا أن نعمل على قدر الطاقة لا على قدر الحاجة، فحينما تعمل على قدر الطاقة التي وضعها الله فيك فإنك ستأخذ حاجتك وتتصدق على غير القادر أن يعمل، ولو توفر لنا هذا التضامن وهذا التأمين لعاش الإنسان لا يهاب أحداث الحياة ولا يخشى الفقر عليه وعلى ذريته من بعده. وقوله تعالى: ﴿ للسآئل والمحروم ﴾ [الذاريات: 19] السائل هو المحتاج وتضطره الحاجة لأن يسأل الناس، ومثله المحروم هو أيضا محتاج لكنه يتعفف عن المسألة فيحرم وربما يجوع أو يهلك، وهو في هذه الحالة يكون آثما في حق نفسه، لأن الله تعالى شرع له أن يسأل، فهو محروم من التملك أولا، وحرم نفسه ثانيا من السؤال الذي شرع له. ومن هنا حث الإسلام على التعارف وعلى حضور الجماعات التي يتعارف فيها الناس، ويسأل بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا التعارف نعرف المحتاج فنساعده ونعرف المريض فنزوره، وهكذا. وأحد الصالحين جاءه سائل فأعطاه حاجته، ثم دخلت عليه زوجته فوجدته باكيا، فقالت له: ما يبكيك وقد أعطيته حاجته؟ فقال: أبكي لأني تركته حتى يسألني. إذن: الواجب أن يصل الحق إلى أصحابه دون سؤال واجب على الغني أن يكفي الفقير مذلة السؤال.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦١٢