تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51.50-51

هذا أمر بالفرار، والفرار أي الهرب يكون من مخوف يقبل عليك وأنت تخاف منه، وتريد أن تنجو بنفسك منه وتفر إلى مأمن يحميك، وهذه العملية عناصرها فار، ومفرور منه، ومفرور إليه. والمخاطبون هنا من الله تعالى هم عباده يقول لهم ﴿ ففروا إلى الله.. ﴾ [الذاريات: 50] من أي شيء يفرون؟ إذا كان الفرار إلى الله، فهم يفرون من كل ما يناقض الله، ومن كل ما يخالف شرعه، يفرون من إبليس الذي ينازع الله في التكاليف، يفرون من شهوات نفوسهم، يفرون إلى الله من الأهواء والنزوات، يفرون من العذاب إلى النعيم المقيم. إذن: معنى الفرار هنا الانتقال من شيء مخيف إلى شيء آمن، ولن تجدوا لكم ملجأ أأمن لكم من حضن خالقكم سبحانه، ففيه الأمن والراحة والسعادة والنعيم، حتى العقوبة حينما يشرعها على المخالفة يشرعها من أجل أن تعودوا إليه وتفروا إلى ساحته. فهو سبحانه حريص عليكم لأنكم عباده وصنعته، وكل صانع يحرص على سلامة صنعته وحمايتها مما يتلفها. ونحن بدورنا نتعلم من ربنا تبارك وتعالى هذا الدرس فنتقن أعمالنا، كما علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ".

فإتقان الصنعة يزيد النغمة الإيمانية العقدية في الكون، ويكفي أن كل من يرى صنعتك يقول: الله الله، فتكون أنت سببا لذكر الله، وهذه النغمة لا يرددها الإنسان فحسب، إنما يرددها الكون كله ويطرب لها، فالإنسان ما هو إلا فرد في هذه المنظومة الذاكرة. إذن: ﴿ ففروا إلى الله.. ﴾ [الذاريات: 50] تعلقوا بحبله، واستمسكوا بهديه، وكونوا في جانبه، كونوا مع شرعه، سيروا معه حيث سار، كما يقولون عندنا في الفلاحين اتشعلق في ربنا وحط رجلك زي ما أنت عايز فما دمت في جنب الله فلن يضرك شيء، وصدق القائل:

يا رب حبك في دمي وكياني

نور أغر يذوب في وجداني

أنا لا أضام وفي رحابك عصمتي

أنا لا أخاف وفي رضاك أماني

وقوله تعالى: ﴿ إني لكم منه نذير مبين ﴾ [الذرايات: 50] المتكلم هنا رسول الله فهو النذير من عند الله، وقال ﴿ نذير.. ﴾ [الذاريات: 50] لأن الفرار يناسبه الإنذار لتفر مما يخيفك إلى ما يؤمنك. و ﴿ مبين ﴾ [الذاريات: 50] أي: نذارتي لكم واضحة، وحجتي بينة ظاهرة. ﴿ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ﴾ [الذاريات: 51] أي: لا تتخذوا إلها إلا الله تأتمرون بأمره، ومعلوم أن الذين عبدوا الأصنام أو عبدوا ما دون الله تعالى، عبدوها لأنها لا أوامر لها ولا تكاليف ولا منهج، لذلك كانت عبادتها باطلة. أما الله تعالى فهو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد وأن يطاع في أمره ونهيه، والنهي في { ولا تجعلوا مع الله إلها آخر.

. } [الذاريات: 51] متعلق بالأمر في ﴿ ففروا إلى الله.. ﴾ [الذاريات: 50] حيث لا إله غيره، ولا ملجأ لكم إلا هو. وهذا هو الدين الحق الذي ارتضته الفطرة السليمة منذ كنا في مرحلة الذر، وأخذ الله علينا هذا العهد

ألست بربكم..

[الأعراف: 172]. وما شذ الخلق عن هذا العهد إلا بسبب الغفلة أو وسوسة الشيطان ونزغات وشهوات النفوس، وما عبد الكفار الأصنام إلا لإرضاء فطرة التدين فيهم، عبدوها تدينا بها إرضاء للفطرة، وارتياحا لعدم التبعة لأنها لا أمر لها، ولا نهي. وعلى العاقل قبل أن يقدم على العمل أن يستحضر عواقبه والجزاء عليه، فحينما يقبل على المعصية يتصور العذاب الذي ينتظره عليها، وحينما يكسل عن الطاعة يتصور النعيم الذي أعد له، ولو فعل الناس ذلك ونظروا في العواقب لفروا من المعصية إلى الطاعة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٢٦