تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51.22

هذا الأسلوب يسمى في البلاغة أسلوب قصر، بتقديم الجار والمجرور على المبتدأ، فالرزق في السماء فقط لا في غيرها، الرزق يأتيك من أعلى من الله، والرزق كل ما ينتفع به، فالمال رزق، والصحة والعافية رزق، والعقل رزق، والأمن رزق. ومعنى أن الرزق في السماء. أي: أنه أمر وتقدير أزلي مكتوب في اللوح المحفوظ، فإن أردت الحياة المادية التي نعيشها، فهي أيضا مصدرها الماء النازل من السماء، لأنه قوام الحياة ومصدر القوت. ﴿ وما توعدون ﴾ [الذاريات: 22] أي في السماء أيضا، فكل شيء مقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، كل صغير وكبيرة، وشاردة وواردة، يقول تعالى:

وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين

[الأنعام: 59]. إذن: ما دامت الأرزاق مقسمة عند الله، وما دام كل شيء مكتوبا أزلا، فأجملوا في الطلب، ولا تنشغلوا بمسألة الرزق، إلا أن تذهب إليه وأن تسعى في طلبه، فأنت لا تخلقه ولكن تذهب إليه كما قال سبحانه:

فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه..

[الملك: 15]. فالمشي والسعي سبب للرزق المقسوم لك أزلا، وهذا الدرس تعلمناه من السيدة هاجر أم إسماعيل لما تركها سيدنا إبراهيم هي وولدها عند الكعبة وانصرف فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لن يضيعنا. فهي واثقة أن الرزق عند الله، وما كان سعيها سبعة أشواط بين الصفا والمروة إلا نموذجا للسعي، فكأن الحق سبحانه أراد أن يجعلها شاهدا على صدق هذه الآية، فلما استنفدت السيدة هاجر أسبابها في السعي عادت إلى وليدها مطمئنة بقولها: إن الله لن يضيعنا. وعندها ضرب الوليد الأرض برجله فتفجرت من تحتها زمزم، وبعد ذلك جعلها الله لنا مشعرا من مشاعر الحج والعمرة ليذكرنا دائما بهذه الحقيقة، وهي أن الرزق عند الله، لكن السعي إليه مطلوب، والحركة في اتجاهه سبب من أسبابه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦١٥