تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51.56-58

قوله تعالى: ﴿ وما خلقت.. ﴾ [الذاريات: 56] الخلق هو إيجاد المادة من عدم وتصويرها على غير مثال سابق، والخلق بهذه الصورة لا يكون إلا لله وحده، ومع ذلك لم يحرم خلقه من هذه الصفة، فأعطاهم صفة الخلق على قدرهم. وقال سبحانه عن نفسه:

فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 14] فأنت خالق حينما تبرز للوجود شيئا جديدا لم يكن من قبل، كالذي يصنع الكوب مثلا من الرمل يسمى خالق لأنه أوجده، نعم هو خالق ولم يحرم ثمرة جهده. أما الحق سبحانه فهو أحسن الخالقين، ومعلوم أن البشر يخلقون من مادة موجودة، أما الحق سبحانه فيخلق من غير موجود، البشر يخلقون مادة جامدة لا حياة فيها، أما الخالق سبحانه فيخلق خلقا حيا متجددا ينمو ويكبر، إلى غير ذلك من الوجوه في هذه المسألة، فنحن نخلق لكن الله أحسن الخالقين. ثم إن الحق سبحانه خص هنا الجن والإنس في مسألة العبادة، ولم يذكر خلقا آخر أعظم هم الملائكة، قالوا: لم يذكر الملائكة في هذا المقام لأنهم خلقوا للعبادة وليس لهم اختيار فيها، فهم مخلوقون بداية، ومهيئون لعبادة الله، وجبلوا على ذلك

لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون

[التحريم: 6]. والحديث هنا عن الخلق المختار الذي ينتظر منه الطاعة، وينتظر منه العصيان. فإن قلت: فلماذا قدم الجن على الإنس في هذه المسألة؟ قال بعض العلماء: قدم الجن على الإنس، لأن العبادة إما سرية وإما جهرية، وعبادة الجن سرية لأننا لا نراهم، والعبادة السرية أفضل لأنها لا يدخلها الرياء، أما عبادة الإنس فجهرية في الغالب ويدخلها الرياء. وهذا القول يمكن الرد عليه بأن عبادة الجن سرية بالنسبة لنا، لأننا لا نراهم لكن جهرية بالنسبة لجنسه، ويمكن أيضا أن يدخلها الرياء، فهم يرى بعضهم بعضا. لكن يمكن توجيه المسألة توجيها آخر، فنقول: لو أنك قرأت القرآن باستيعاب لوجدت أن الجن خلقوا قبلنا

والجآن خلقناه من قبل من نار السموم

[الحجر: 27] فقدمه على الإنس لأنه خلق قبلهم. ثم إن معظم انصراف الإنس عن العبادة بسبب الشيطان وهو من الجن

إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه..

[الكهف: 50] ولهذا قدموا علينا في مسألة العبادة. والأسلوب في قوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56] أسلوب قصر. أي: قصر خلق الإنس والجن على العبادة، فهي العلة الوحيدة لهذا الخلق، ما خلقهم لشيء آخر سوى عبادته سبحانه. والعبادة تعني طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، وهذه العبادة بهذا المعنى هي العبادة الحق، وهي مطلوب الله من العباد، لذلك لا يقبل الله إلا ما كان له خالصا. وهذه العبادة الحق لا يأتي بها كل الخلق، بل يأتي كل منهم على قدر روحه وعلى قدر نظره للإله الحق الذي يعبده.

والناس كبشر متفاوتون في هذه المسألة، وأعلاهم فيها هم الرسل، وأفضل الرسل خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي حقق العبادة على وفق مراد الحق سبحانه منها. لذلك البعض يغالي فيقول: ما خلق الكون كله إلا من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، ونقول، يكفي أنه صلى الله عليه وسلم أحسن عابد لله، لأن العبادة معنى، والمعنى لا يتحقق إلا بعابد حق، وهو الذي يؤدي المراد لله. وهذا العابد الحق لا يأتي من الناس العاديين، إنما يأتي من الأنبياء وسيد الأنبياء وخاتمهم سيدنا رسول الله، فهو خير من حقق العبادة لله. إذن: علة الخلق هي العبادة، والله تعالى منزه في أفعاله عن العلة، فهو سبحانه يفعل ما شاء لما شاء فيما شاء. والعلة الممنوعة في أفعاله تعالى العلة التي تعود عليه سبحانه. أما العلة التي تعود على غيره فلها تعليل، فالعبادة ليست له سبحانه إلا لمصلحة الخلق جميعا، لأنها هي التي تسعدهم في الدنيا وتنجيهم في الآخرة، ولا يعود على الله منها شيء، لأنه سبحانه الغني عن خلقه، فلا تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم. فقد خلق الخلق بكامل صفات الكمال فيه، فلم يزدد بهذا الخلق صفة لم تكن له من قبل، فهو خالق قبل أن يخلق، ورازق قبل أن يرزق، ومسبح قبل أن يوجد ما يسبحه. وإذا كانت العبادة كما قلنا طاعة العابد للمعبود في أمره افعل ولا تفعل، فهي بهذا المعنى تشمل حركة الحياة كلها، ولا تقتصر على الصلاة والصيام والزكاة كما يريدها البعض من الذين يعزلون الدين عن حركة الحياة. يقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. وهذا قول باطل وغير صحيح، والذين فعلوا ذلك يريدون أن يجعلوا لأنفسهم سلطة زمنية تخضع لأهوائهم ليفعلوا ما يريدون. لقد تعمدوا عدم الارتباط بمنهج السماء في إدارة شئون الأرض، لأن منهم السماء يقيد حركتهم، ونسوا أنه أيضا يقيد حركة المحكومين لمصالحهم. إذن: منهج الله شمل الحياة كلها، من قمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن الطريق، ولو كان الأمر كما يقولون أنترك القاتل فلا يقتل، ونترك الزاني فلا نقيم عليه الحد، ونترك شارب الخمر، ونترك المفسدين يفسدون، ونترك الناس لا يتناهون عن منكر فعلوه؟ إذن: ماذا يريدون من تعطيل شرع الله وعزله عن حركة الحياة، الحق سبحانه جعل العبادة لصالح الخلق، تنظم حركة حياتهم وتسعدهم. ودائما في هذه المسألة نذكر الحديث القدسى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٢٩