وجه ينافي الفطرة السليمة والأذواق المستقيمة، فكانوا يأتون الذكران بدل أن يأتوا النساء كما أحل الله، ومعلوم أن الإتيان مقصور على مكان الحرث والاستنبات.
فأتوا حرثكم أنى شئتم..
[البقرة: 223]. إذن: فعلتهم هذه كانت إسرافا منهم على أنفسهم، ومجاوزة للحد الذي شرعه الله، والإتيان في غير المحل يستوي فيه إتيان الرجل وإتيان المرأة فكله محرم. ولما كان هذا الفعل زنا يستحق الرجم رجمهم الله لا بحجارة من الأرض، إنما بحجارة من السماء تنزل على كل واحد منهم باسمه تخصه دون غيره، بحيث لم تبق منهم أحدا وأبادتهم عن بكرة أبيهم.
51.35-37
أي: قبل أن ينزل بهم العذاب أخرجنا من كان في القرية من المؤمنين، والمعنى: ما قلنا لهم اخرجوا، إنما هيأنا لهم سبيل الخروج بخواطر قذفناها في نفوسهم، فخرجوا ولم يصبهم العذاب. ﴿ فما وجدنا فيها.. ﴾ [الذاريات: 36] أي: في القرية ﴿ غير بيت من المسلمين ﴾ [الذاريات: 36] إذن: تكلم أولا عن المؤمنين ثم عن المسلمين، ومعلوم أن الإيمان أعم من الإسلام، فالإيمان أمر عقدي، والإسلام أمر سلوكي، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. والإيمان والإسلام يلتقيان في أنك لا تسلم زمامك في التكليف إلا لمن آمنت بحكمته في التكليف، أما إن نافق المؤمن أو راءى فموضوع آخر، لذلك قال تعالى:
قالت الأعراب آمنا..
[الحجرات: 14] فرد عليهم
قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا..
[الحجرات: 14] أي: الإسلام الظاهري
ولما يدخل الإيمان في قلوبكم..
[الحجرات: 14]. إذن: هنا قال في الناجين المؤمنين والمسلمين، وفي موضع آخر قال:
إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين
[العنكبوت: 33] لأن الأهلية على حقيقتها ليست أهلية الدم والنسب، إنما أهلية الدعوة، أهلية اتباع بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم:
" سلمان منا أهل البيت ".
وسيدنا نوح لما قال لربه عز وجل:
رب إن ابني من أهلي..
[هود: 45] قال له:
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح..
[هود: 46]. وقوله سبحانه: ﴿ وتركنا فيهآ آية للذين يخافون العذاب الأليم ﴾ [الذاريات: 37] أي: في القرية والمكان الذي حدثت فيه هذه العملية، قالوا: الآية الباقية بعد هلاكهم هي الحجارة التي أهلكهم الله بها ما تزال موجودة، ومن يراها يقول: هذه ليست من حجارة الأرض، بل هي نوع آخر هي الحجارة التي نزلت على هؤلاء المجرمين فأهلكهم الله بها. وهكذا تظل هذه الآية باقية لردع كل من تسول له نفسه أن يفعل فعلهم. وقالوا: بل الآية التي تركها الله شاهدا عليهم هي عين منتنة، لا يطيق الإنسان أن يشمها.