تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تأخذه سنة ولا نوم..

[البقرة: 255] والسنة غفلة تسبق النوم، فنفي السنة يعني نفي النوم من باب أولى.

50.39-40

الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بعدما لاقى من إيذاء قومه. يقول له: باشر أمر دعوتك ولا تحزن لما يقولون، ولا تيأس من نصرك عليهم، لأن رسول الله وصحابته لما اشتد بهم الإيذاء استبطأوا النصر. وفي ذلك قال تعالى:

وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله..

[البقرة: 214] وهنا يقول له ﴿ فاصبر.. ﴾ [ق: 39] لأن كل صبر على بلاء وإيذاء بأجر ومنزلة، فكلما ازدادوا في الإيذاء اصبر على أذاهم، فهم يزدادون إثما وأنت تزداد أجرا. وقوله تعالى: ﴿ وسبح بحمد ربك.. ﴾ [ق: 39] أي: نزه ربك تعالى عن كل نقص، وعن كل ما لا يليق به سبحانه من صفات يتصف بها خلقه، فالله له يد لكن ليست كأيدينا، وله سمع ولكن ليس كسمعنا، فخذ هذه الصفات في إطار

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

[الشورى: 11]. لذلك الحق سبحانه وتعالى استهل خبر الإسراء والمعراج بقوله تعالى:

سبحان الذى أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] أي: نزه الله عن صفات النقص، ونزه الله عن مشابهة خلقه، لأن في القصة خرقا للنواميس التي يعرفها الخلق. إذن: لا تستبعد هذا الحدث لأنه منسوب إلى الله لا إلى البشر، فمحمد لم يقل: سريت بل قال: أسري بي. والسرعة هنا في قطع المسافة تحسب بقوة الفاعل، فأنت تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالحصان في عشر ساعات، وبالسيارة في ثلاث ساعات، وبالطائرة في نصف ساعة، وبالصاروخ في عدة دقائق. وهكذا تتناسب السرعة مع فاعلها، فكلما ازدادت القوة قل الزمن، فإذا كان صاحب السرعة هو الحق سبحانه وتعالى، فالزمن هنا لا يذكر، وكون رسول الله استغرق في هذه الرحلة ليلة، فهذا لأنه تعرض لمرائي عدة استغرقت هذا الوقت. ومعنى ﴿ وسبح بحمد ربك ﴾ [ق: 39] أي: سبح ربك تسبيحا مقرونا بالحمد على النعم، لذلك تجد أن لفظ التسبيح يأتي دائما مقرونا بنعمة من نعم الله، وآية لا يستطيعها أحد سواه

سبحان الذى أسرى بعبده..

[الإسراء: 1]

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36]. لذلك رأينا على مر التاريخ الكفار والمشركين والملاحدة يعبدون أصنامهم وآلهتهم ويقدسونها، ومع ذلك لم يقل أحد لمعبوده: سبحانك أبدا لأنها لا تقال إلا لله. كما أن لفظ الجلالة الله لم يسمه أحد رغم وجود الملاحدة ومنكري الألوهية، لكن لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ولده هذا الاسم، لأنه يخاف أن يسمي ولده الله. لذلك قال تعالى:

هل تعلم له سميا

[مريم: 65] إذن: أمران لم يجرؤ أحد عليهما لعظمة الله سبحانه، حتى فيما للخلق فيه اختيار.

كما نفهم من قوله تعالى ﴿ وسبح بحمد ربك.. ﴾ [ق: 39] أن السبحانية هذه من النعم التي تستوجب الحمد، فكون الحق سبحانه منزه عن الشبيه، منزه عن المثيل، منزه عن الشريك، هذه من أعظم النعم على العباد. فلو أن لله تعالى مثيلا أو شريكا أو نظيرا لفسدت حياتنا، ولشقينا نحن بهذه المثلية، وما هنئ لنا عيش. لذلك يقول تعالى:

لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا

[الأنبياء: 22] وقال:

ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون

[المؤمنون: 91]. ومعنى ﴿ قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ﴾ [ق: 39-40] يعني: سبحه تسبيحا دائما لا ينقطع، فهذه الأوقات المذكورة تستوعب اليوم والليلة، لأن من الناس من يعمل بالنهار وينام بالليل، ومنهم من يعمل بالليل وينام بالنهار، فهذا انقطع تكليفه بالليل، وهذا انقطع تكليفه بالنهار. وهذه الآية لها نظائر في آيات أخرى لكن لكل منها معنى، يقول تعالى في موضع آخر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٠٣