50.20-21
هنا يعطينا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، يوم ينفخ في الصور، قالوا: هي النفخة الثانية التي يقوم الناس لها من قبورهم. والصور هو البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. ﴿ ذلك يوم الوعيد ﴾ [ق: 20] أي: الذي توعدناكم به وخوفناكم منه. والوعيد عكس الوعد، الوعيد يكون بشر آت والوعد بالخير. والموت لا يخاف منه إلا صاحب الأعمال السيئة، كامتحان آخر العام لا يخاف منه إلا التلميذ المهمل أما المجتهد فيفرح به. كذلك صاحب الأعمال الصالحة يفرح بلقاء الله، لأنه قادم على الجزاء الأوفى من الله، لذلك حين يموت الرجل الصالح نقول: اللهم ألحقنا به. وقوله سبحانه: ﴿ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد ﴾ [ق: 21] سائق يسوقها إلى أرض المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملت.
50.22
﴿ لقد كنت في غفلة من هذا.. ﴾ [ق: 22] في غفلة ونسيان لهذا اليوم ﴿ فكشفنا عنك غطآءك.. ﴾ [ق: 22] أي: كشفنا عنك غطاء الغفلة. ﴿ فبصرك اليوم حديد ﴾ [ق: 22] أي: حاد ونافذ يستطيع أن يدرك الأمور على حقيقتها، أي: أمور الآخرة وما فيها من بعث وحساب وجزاء.
50.23-26
معنى ﴿ قرينه.. ﴾ [ق: 23] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه وعن شماله يسجل عليه كل أعماله وكل نفس من أنفاسه، يأتي ويقول: ﴿ هذا ما لدي عتيد ﴾ [ق: 23] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما سجلته عليه جاهز ومعد. كما نرى مثلا رجل البوليس حينما يقدم تقريرا للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى النيابة الحكم في المسألة. وقوله تعالى: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ [ق: 24] هذا أمر من الحق سبحانه وتعالى لكل من السائق والشهيد أن يلقيا في جهنم كل كفار شديد الكفر متمكن فيه. والكفر إما كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم:
ذلك جزيناهم بما كفروا..
[سبأ: 17] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية. وكلمة ﴿ كفار.. ﴾ [ق: 24] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه ﴿ عنيد ﴾ [ق: 24] أي: عنيد في كفره مصر عليه متماد فيه. والكفر في اللغة هو الستر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين. كذلك كلمة ﴿ عنيد ﴾ [ق: 24] فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوته للحق ويصر على موقفه، ولا شك أن دعوة الرسول للناس بأن يؤمنوا تتكرر دائما، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى متمسكا برأيه، لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشا. إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم. وقوله تعالى: ﴿ مناع للخير معتد مريب ﴾ [ق: 25] هذا هو الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو ﴿ مناع للخير.. ﴾ [ق: 25] ومناع أيضا صيغة مبالغة من مانع، فهو كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أن منعه عن الآخرين حين وقف في وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين. ثم هو بعد ذلك كله ﴿ معتد مريب ﴾ [ق: 25] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ. فهو إذن معتد بأي وجه من وجوه التعدي، وهو ﴿ مريب ﴾ [ق: 25] أي: شاك مرتاب في هذا اليوم، ولو كان مؤمنا به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل لأعطى ولم يمنع. ومن صفاته أيضا ﴿ الذي جعل مع الله إلها آخر.. ﴾ [ق: 26] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، والله يقول:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء..