تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50.15

عاد السياق هنا إلى مناقشة المنكرين للبعث الذين قالوا:

أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد

[ق: 3] عاد إلى هذا الموضوع ليقول لهم: لم تنكرون البعث؟ أليس أمامكم الخلق الأول ﴿ أفعيينا بالخلق الأول.. ﴾ [ق: 15] أي: هل عجزنا عنه وهل أعيانا؟ أبدا بل قدرنا عليه وأنشأناه من العدم. والخلق الأول خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام والقادر على الخلق بداية قادر على إعادته من باب أولى. ﴿ بل هم في لبس من خلق جديد ﴾ [ق: 15] أي: في خلط وتردد، كما قال عنهم في الآيات السابقة

فهم في أمر مريج

[ق: 5] أي: مختلط.

50.16

بعد أن حدثنا سبحانه عن آياته الكونية في السماوات والأرض يحدثنا عن آياته في خلق الإنسان، وقد بين لنا الحق سبحانه أن آيات السماوات والأرض أكبر من الآيات التي في خلق الناس.

لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس..

[غافر: 57] ووعدنا سبحانه بقوله

سنريهم آياتنا في الآفاق..

[فصلت: 53] آفاق السماوات والأرض

وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق..

[فصلت: 53]. يقول سبحانه: ﴿ ولقد خلقنا الإنسان.. ﴾ [ق: 16] وأكد لهم الكلام ب اللام وب قد لأنهم منكرون لهذه الحقيقة مكذبون بها، وهذا الإنكار جحود منهم، لأنه سبحانه قال في موضع آخر:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

[الزخرف: 87]. وما دام الحق سبحانه قد قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان.. ﴾ [ق: 16] فلا يتأتى أن يقال أنه من الممكن أن يتم استنساخ الإنسان، فالإنسان الذي يكون أسرة من أب وأم لا يمكن استنساخه أبدا، إنما يستنسخه من خلقه فقط. بدليل أنه خلق آدم وأخذ منه ضلعا جعل منه حواء، أما أنتم فلن تستطيعوا هذا، قد تستطيعون استنساخ نبات أو حيوان، فإنه ليس مطلوبا من هذه الكائنات أن تكون أسرة. فالمطلوب من النبات أو الحيوان التكاثر فقط، أما الإنسان فليس مطلوبا منه التكاثر فقط بل مطلوب منه القيم أيضا ككائن في مجتمع. فالإنسان يسعى لتكوين أسرة وله مواصفات فيمن يتزوجها، وكيف يعيش معها وكل منهما يقوم بمهمة في التربية تناسبه، هو يكدح خارج البيت وهي تقوم بمهمتها في البيت ومهمتها أعلى وأهم من مهمته. لذلك نجد اللقيط شقيا في حياته، لأنه ليس له أب ينسب إليه، أما من له أب فابنه محسوب عليه ومسئول عنه أمام المجتمع، يقوم له بأمور معيشته ودراسته، فلو فرضنا أنه من الممكن أن يكون هناك إنسان مستنسخ فترى كيف تكون حياته؟ فالله هو خالق الإنسان ومبدعه، والخالق هو الأعلم بمن خلق، والأعلم بأسراره وما يصلحه ﴿ ونعلم ما توسوس به نفسه.. ﴾ [ق: 16] يعني: لا نعلم ظواهر عمله فحسب، إنما نعلم بواطنها، ونعلم ما يختلج في نفسه من خواطر وأفكار.

ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير

[الملك: 14]. الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، كالصانع يعلم دقائق صنعته، فالساعة مثلا حين تتعطل منك لا تعرف فيها شيئا، فتذهب بها إلى الساعاتي، وبمجرد أن ينظر إليها يعرف مكان العطل بها ويصلحه بحركة بسيطة جدا. فالحق سبحانه خلق الإنسان، فالإنسان صنعته وإبداعه، لذلك يعلم خفايا نفسه لا مجرد ظواهر عمله، لأن ظواهر العمل معروفة للناس، فلا مزية في معرفتها، أما ما توسوس به النفس فهو أمر غيبي عن الآخرين لا يطلع أحد عليه ولا يعلمه إلا الله، وهذه من آيات الله في الأنفس

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..

[فصلت: 53]. وسمى الخواطر التي ترد على البال وسوسة، وهي في الأصل صوت الحلي، والوسوسة تكون مرة من النفس ومرة من الشيطان، لذلك لا تكون إلا بشر، وقد بين الإمام علي الفرق بينهما حينما سأله سائل: كيف أعرف مصدر هذه الوسوسة، أهي من النفس أم من الشيطان؟ فقال: النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، أما الشيطان فيريدك عاصيا على أي صورة، فإن خالفته في معصية زين لك الأخرى وهكذا حتى يوقعك. والنفس هي الأصل في الوسوسة، لأننا لو أخذنا معصية إبليس الأولى وقلنا من وسوس له بها؟ نفسه، والشاعر لما نظم هذا المعنى قال: إبليس لما عصى من كان إبليسه؟ فالمسألة إذن راجعة للنفس، وإبليس يستغل شهوة النفس وينميها ويزينها لصاحبها، والعجيب أن هذه الوساوس حينما تلح على الإنسان تغرقه في الهموم والتخيلات التي لا أساس لها، فينشغل بأشياء لم تحدث يتصور أنها حدثت، أو أحداث ماضية يعيدها من جديد. وهكذا تحاصره الهموم فتكلمه تجده ساهيا أو يمشي يكلم نفسه، والعقال هو الذي لا يترك نفسه نهبا لهذه الوساوس، ويعلم أنه له ربا يعلم ما توسوس به نفسه. رب كريم يفرج الكروب ويزيل الهموم، العاقل هو الذي يعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها. وخلق المؤمن أن يكون عنده رصيد من إيمانه يعصمه، فإن عزت عليه الأسباب لجأ إلى المسبب، فهو أبدا لا ييأس ولا يستسلم. قلنا: لو أن رجلا معه جنية واحد لا يملك غيره وضاع منه لا شك أنه يحزن، خاصة إذا كان غريبا مثلا، لكن لو ضاع منك جنيه وفي البيت عشرة، فالحزن يكون أقل، فما بالك إن كان معك رصيد من رب العالمين؟ لذلك يقولون: لا كرب وأنت رب: وهذا الرصيد الإيماني رأيناه في قصة سيدنا موسى عليه السلام، فلما ضاقت به أسبابه قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٩٣