تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50.43-44

بعد أن قال سبحانه

ذلك يوم الخروج

[ق: 42] يقرر هذه الحقيقة ويأتي بالنتيجة، فيقول ﴿ إنا نحن نحيي ونميت.. ﴾ [ق: 43] ولأن البعض ينكر هذه الحقيقة أكدها سبحانه بتكرار الضمير. ﴿ إنا نحن.. ﴾ [ق: 43] فهو وحده سبحانه القادر على ذلك ﴿ وإلينا المصير ﴾ [ق: 43] أي: المرجع والمآب، فالبداية منا والنهاية إلينا. ﴿ يوم تشقق الأرض عنهم سراعا.. ﴾ [ق: 44] أي: يخرجون منها مسرعين لأنهم يستجيبون للصيحة في وقت واحد فيخرجون مسرعين دون تأخير. ﴿ ذلك.. ﴾ [ق: 44] إشارة إلى ما يحدث في ذلك اليوم من تشقق الأرض وخروج الناس من قبورهم مسرعين، وجمعهم في مكان واحد للحشر، وهذا الحشر ﴿ علينا يسير ﴾ [ق: 44].

50.45

وما دام أننا أعلم بهم وبما يقولون فدع الجزاء لنا، لأنك إن جازيتهم تجازيهم على قدر قوتك، ونحن نجازيهم على قدر قوتنا، ولن نرحمهم ولن يفلتوا من العقاب، إذن: اترك لنا هذه المسألة فنحن أقدر على تأديبهم. ﴿ ومآ أنت عليهم بجبار.. ﴾ [ق: 45] فمهمتك البلاغ فلا تتعب نفسك معهم، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، كما عاتب الحق سبحانه قوله:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. ومعنى ﴿ ومآ أنت عليهم بجبار.. ﴾ [ق: 45] أي: تجبرهم على الإيمان، لأني لو أردت ذلك لأجبرتهم على الإيمان كما أجبرت غيرهم، إنما أنا أريدهم طواعية مختارين. ﴿ فذكر بالقرآن.. ﴾ [ق: 45] فهذه مهمتك أن تذكر الناس بهذا القرآن. ثم قيد التذكير هنا بقوله: ﴿ من يخاف وعيد ﴾ [ق: 45] أي: يخاف وعيدي وإنذاري، ولا يخاف الوعيد إلا مؤمن وعنده استعداد وقابلية للتلقي والاستجابة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين الفعل والقابل للفعل، فليس كل من يستمع القرآن سواء، فمن الناس من يستمع ويثمر فيه السماع فيستجيب، ومنهم من يستمع دون وعي ودون تأمل، فكأنه لم يسمع شيئا. لذلك قال تعالى في وصفهم:

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..

[محمد: 16]. فهذا السماع عمل الجارحة فقط بلا قلب يستقبل ويعي

قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..

[فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد لكن المستقبل مختلف، منهم من يستمع بقلب واع ونفس صافية وذهن خال من الضد ومن العقائد الفاسدة فيتأثر ويستجيب، ومنهم من يستمع بقلب معاند وذهن مشغول بعقائد مخالفة تمنعه من الاستجابة. لذلك قلنا لمن يفاضل بين أمرين: ينبغي أن تخرج الجميع من قلبك، ثم تخلو من نفسك وتفكر وتبحث في الأمرين. قال تعالى:

قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة..

[سبأ: 46] فالتفكير الجماعي تفكير غير منظم ولا يصل إلى الصواب غالبا. تذكرون أننا قلنا في توضيح اختلاف الأثر للفعل الواحد أنك تنفخ في يدك في الشتاء للتدفئة وتنفخ في الشاي مثلا لتبرده. فالحق سبحانه وتعالى هنا خص بالتذكير ﴿ من يخاف وعيد ﴾ [ق: 45] لأنه صاحب القلب الواعي والذهن الخالي من المخالف الخالي من الغش ومن الضلال، وهذا هو المستقبل الصحيح للقرآن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٠٥