تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

50.30

سبق في الآيات قوله تعالى: ﴿ ألقيا في جهنم كل كفار عنيد ﴾ [ق: 24] وهنا يسأل الحق سبحانه جهنم ﴿ هل امتلأت.. ﴾ [ق: 30] وأيضا سبق الوعد من الله أن يملأ جهنم

لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

[السجدة: 13]. إذن: لا بد أن يوفيها هذا الوعد، فالسؤال هنا ﴿ هل امتلأت.. ﴾ [ق: 30] سؤال إقرار، ويأتي الجواب ﴿ هل من مزيد ﴾ [ق: 30] يعني هي امتلأت، لكن تريد المزيد، فأين تضعهم فيها؟ تذكرون أننا قلنا زمان أن الخالق سبحانه أزلا خلق الجنة لتسع الناس جميعا لو آمنوا، وخلق النار لتسع الناس جميعا إن كفروا، وبذلك تخلوا أماكن المؤمنين في النار، وتخلو أماكن الكافرين في الجنة، فالنار تقول ﴿ هل من مزيد ﴾ [ق: 30] لتملأ الأماكن الخالية فيها.

50.31

بعد أن تحدثت الآيات عن جهنم والعياذ بالله تذكر هنا المقابل وهو الجنة ﴿ وأزلفت.. ﴾ [ق: 31] أي: قربت من المتقين، لأنهم بشروا بها في الدنيا، وبأن الله تعالى لا يخلف الميعاد. أما الآن ونحن في موقف الآخرة فهي تقرب منهم ﴿ غير بعيد ﴾ [ق: 31] أي: أزلفت منهم إزلافا غير بعيد.

50.32-33

قوله تعالى: ﴿ هذا.. ﴾ [ق: 32] إشارة إلى ما تقدم من تقريب الجنة للمتقين ﴿ ما توعدون.. ﴾ [ق: 32] أي: وعد الله به ﴿ لكل أواب ﴾ [ق: 32] أواب صيغة مبالغة نقول: آيب وأواب يعني كثير الأوب والرجوع إلى الله إن حصلت منه معصية، فسرعان ما يندم عليها ويتوب. والحق سبحانه وتعالى شرح لنا هذا المعنى في قوله تعالى:

إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة..

[النساء: 17] يعني: لا يسعون إليها ولا يرتبون لها.

ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن..

[النساء: 17-18]. والأواب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، لا يعني أنه كثير الخطايا، إنما إن حدثت منه غفلة عن الطاعة سارع بالتوبة، لأن الذي يرجع في توبته من الذنب ثم يعود إليه وتتكرر منه هذه، فقد شبهه رسول الله بالمستهزئ بربه، وهذه صفة لا تليق بالأواب. ومعنى: ﴿ حفيظ ﴾ [ق: 32] هي أيضا صيغة مبالغة من حافظ، والحفيظ هو كثير الحفظ لحدود الله وحرمات الله، يحفظ نفسه من الوقوع في المعصية، بل يحفظ نفسه من الاقتراب منها. وهذا هو معنى الحديث الشريف:

" احفظ الله يحفظك "

وحفظ الله يكون بحفظ حدوده والوقوف عند أوامره ونواهيه. ومن صفات المتقين الذين وعدهم الله هذا الوعد ﴿ من خشي الرحمن بالغيب ﴾ [ق: 33] الخشية معناها الخوف وهو على نوعين: تخاف وأنت تكره من تخافه وتلعنه لأنه أقوى منك، أو لأنه يذلك ويقهرك، فأنت تخافه وتحتقره، وهذا خوف العباد من العباد. وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال على حد قول الشاعر:

أخافك إجلالا وما بك قدرة

علي ولكن ملء عين حبيبها

فأنت تحب من تخافه، وتعلم أن له جميلا عندك، وأنك لا تستطيع أن توفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهم هذا المعنى قول الله تعالى:

ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء..

[فاطر: 27-28]. الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو يخوفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كونه، أرادنا أن نبحث فيها ونتأملها، وأن ننقب عن أسرارها وما فيها من جمال. فكلما نظرنا في آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالا لعظمته ونعمته علينا، والعلماء هم أولى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله وتقديره حق قدره.

وتأمل هنا الاداء القرآني: ﴿ من خشي الرحمن بالغيب.. ﴾ [ق: 33] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل من خشي القهار أو الجبار، لأن الخشية هنا مغلفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله الذي نخافه ونخشاه. ثم قيد هذه الخشية بأنها ﴿ بالغيب.. ﴾ [ق: 33] يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سره قبل جهره، وفي خلوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه. أما ضعيف الإيمان فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدث عن الحلال والحرام، لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله. إذن: فخشيته من الله فيها رياء ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله بالغيب. ومن معاني الغيب أيضا أن المؤمن لما تخوفه عذاب الله وتذكر له النار وهو ما يزال في سعة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدقنا بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها. والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٩٩