الذين يؤمنون بالغيب..
[البقرة: 3] فكما نؤمن بالآيات واضحة المعنى نؤمن بالحروف غير واضحة المعنى، فهذا قرآن مشهد، وهذا قرآن غيب، وكما نؤمن بالآيات الكونية المشاهدة نؤمن بالله خالقها ومبدعها، وهو سبحانه غيب. وقوله تعالى: ﴿ والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] القرآن اسم لما نزل من عند الله على قلب سيدنا رسول الله، ودل على صدقه في البلاغ عنه. وسمي قرآنا ليدل على أنه مقروء، وسمي الكتاب ليدل على أنه مكتوب، فهو مسجل في السطور محفوظ في الصدور. وللقرآن مزية خاصة به لم تعط لكتاب قبله، هي أن القرآن يحمل المنهج ويحمل المعجزة معا، أما الرسالات السابقة عليه فكان المنهج في الكتاب، والمعجزة منفصلة عنه. فسيدنا عيسى مثلا كان كتابه الإنجيل، ومعجزته أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وسيدنا موسى كان كتابه ومنهجه في التوراة، أما معجزته فكانت في العصا، أما سيدنا رسول الله فكانت معجزته هي عين منهجه، لماذا؟ لأن رسالته دائمة باقية في الزمان كله إلى قيام الساعة وباقية في المكان كله، فلها عمومية الزمان وعمومية المكان، ونحن الآن نقول: هذا محمد رسول الله وهذه معجزته، في حين لا نستطيع أن نقول ذلك مع سيدنا موسى مثلا أو سيدنا عيسى، لأن معجزاتهما انتهت بانتهاء زمانيهما.
ومعنى ﴿ المجيد ﴾ [ق: 1] أي: العظيم صاحب الشرف والمجد والعلو، ومجيد على وزن فعيل، وهي من أوزان المبالغة مثل رحيم، وفعيل وتأتي مرة بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول. فمعنى ﴿ المجيد ﴾ [ق: 1] أي: ماجد في ذاته وممجد في ذاته فهي تحمل المعنيين، فهو ماجد وممجد، لأنه أعلى وأرفع كلام وأغلى الكتب وأشرفها، فهو في ذاته مجيد. ثم لأنه جاء من مجيد أعلى هو الحق سبحانه، وبلغه ملك مجيد إلى رسول مجيد، ويبقى بعد ذلك أنه أنزل على أمة مجيدة. لكن إذا كانت: ﴿ ق والقرآن المجيد ﴾ [ق: 1] قسم فأين جوابه؟ قالوا: قسم على أن البعث حق، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والأقرب من ذلك أن نأخذ الجواب من الكلام بعد القسم، وهو قوله تعالى: ﴿ بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم... ﴾.