ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. فالخطاب هنا لسيدنا رسول الله، وهو لم ير حادثة الفيل، فقد ولد في هذا العام، فلماذا لم يخاطبه بقوله: ألم تعلم وعدل عنها إلى: ألم تر؟ قالوا: لأن الخبر من الله أصدق من رؤية العين، نعم لأن الرؤية قد تخدعك، أما إخبار الله فصدق مطلق. ﴿ وجآء بقلب منيب ﴾ [ق: 33] أي: قلب أخلص لله وصدق في الطاعة، والقلب هو موضع الإيمان، والله تعالى - كما ذكرنا - يريد منا القلب لا القالب، فالقالب يمكن أن تقهره على أن يؤمن، أما القلب فلا يأتي إلا بالحب والطواعية. لذلك جعل الحق سبحانه الإيمان أمرا اختياريا لا إجبار فيه، وإلا لو شاء سبحانه لأجبر الخلق جميعا على أن يؤمنوا به سبحانه، كما أجبر السماوات والأرض، لكن أراد لعباده أن يأتوه طواعية واقتناعا.
50.34-35
أي: ادخلوا الجنة ﴿ بسلام.. ﴾ [ق: 34] سلامة خالية من المنغصات، ولا تنتقل إلى غم أو ضيق أبدا بعد ذلك. وهذا القول ﴿ ادخلوها بسلام.. ﴾ [ق: 34] هو قول الملائكة حين يلقونهم بالسلام. وكذلك يقولها لهم الحق سبحانه في قوله:
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58] والذي يلقاه ربه بالسلام فلا شقاء له بعدها أبدا. أو ﴿ ادخلوها بسلام.. ﴾ [ق: 34] أي: مسلمين على إخوانكم، تقولون لهم: السلام عليكم كما كنتم تسلمون عليهم وتحيونهم بها في الدنيا، كذلك في الآخرة تحيون بها مالكا على باب الجنة، وتحيون بها إخوانكم. ﴿ ذلك يوم الخلود ﴾ [ق: 34] ذلك إشارة إلى يوم القيامة ﴿ يوم الخلود ﴾ [ق: 34] يوم البقاء والدوام والنعيم الذي لا ينقطع ولا يزول، وهذا هو الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. نعيم الدنيا مهما كان يؤرقه على صاحبه أمران: أن يفوت النعيم بالموت، او يفوته النعيم بالفقر أو المرض، أما نعيم الآخرة فسالم من كل المنغصات. وقوله سبحانه: ﴿ لهم ما يشآءون فيها.. ﴾ [ق: 35] أي: في الجنة. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: كيف يثبت لهم مشيئة فيما يريدونه وقد ورد:
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
والمشيئة تعني أنهم يعرفون ما يريدونه؟ قالوا: يشاء ما كان يعلمه ويتلذذ به من نعيم الدنيا، في حين أن نعيم الآخرة غيره تماما ليس له منه إلا الأسماء، أما حقيقة الشيء فتختلف، لذلك قال بعدها ﴿ ولدينا مزيد ﴾ [ق: 35]. وقد بين الحق سبحانه هذه المسألة في قوله سبحانه:
وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم جنت تجري من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها..
[البقرة: 25]. يعني: إذا اشتاقت نفسه مثلا لأن يأكل المانجو يجدها غير ما عرفه في الدنيا، فإن طلبها في اليوم التالي وجدها غير التي أكلها في اليوم الأول وهكذا، فهي متشابهة لكن ليست هي هي. إذن: جعل لهم مشيئة فيما يعرفون من نعيم الدنيا وفيما يشتهونه منها، أما في الآخرة فشيء آخر بدليل
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".
لأنك إذا اشتهيت شيئا طلبته باسمه، والاسم فرع لمعرفة المعنى، وما دام أنها أشياء غريبة عنا فنحن إذن لا نعرفها ولا نعرف لها اسما.