تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين

[الأعراف: 70]. كلمة الفتح إن جاءت معرفة بأل فخيرها مضمون، فاعلم أنها نعمة محروسة لك سينالك نفعها، فإن جاءت نكرة فلا بد لها من متعلق يوضح الغاية منها: أهذا الفتح لك أم عليك فقوله تعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم:

إنا فتحنا لك فتحا مبينا

[الفتح: 1] دل على أن هذا الفتح لصالحه صلى الله عليه وسلم، فهو غنم لا غرم، كما يقولون في حسابات البنوك: له وعليه. أما الأخرى، ففي قوله تعالى:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء..

[الأنعام: 44]. إذن: تنبه لما يفتحه الله عليك ولا تغتر به، وتأمل: أهو لك أم عليك؟ وإياك أن تطغيك النعمة إذا زهزهت لك الدنيا، فلعلها استدراج وأنت لا تدري، فالفتح يحتمل المعنيين، واقرأ إن شئت:

ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السمآء والأرض..

[الأعراف: 96] أي: احذروا هذه النعمة لا تطغيكم. وكلمة الفتح تأتي بمعان متعددة، يحددها السياق، كما قلنا في كلمة العين، فتأتي بمعنى العين الباصرة. تقول: رأيت فلانا بعيني، وتقول: جدت على فلان بعين مني أي: بالذهب أو الفضة، وتقول: سمحت له أن يروي أرضه من عيني أي: عين الماء، وتقول: هؤلاء عيون فلان أي: جواسيسه.

وهذا يسمونه: المشترك اللفظي. وكلمة الفتح تستخدم أولا في الأمر المادي، تقول: فتحت الباب أي: أزلت مغاليقه، وهذا هو الأصل في معنى الفتح. فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف عليه السلام:

ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم..

[يوسف: 65] ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه الأربطة. وقد يراد الفتح المعنوي، كما في قول الله تعالى:

وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم..

[البقرة: 76] أي: بما أعطاكم الله ومنحكم من الخير ومن العلم. ويأتي الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية الأمر فيه لذلك يسمى أهل اليمن القاضي الفاتح. ويأتي بمعنى النصر والغلبة، كما في هذه الآية التي معنا: ﴿ ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ﴾ [السجدة: 28] ولا بد أن يقول المؤمنون في إجابة هذا السؤال: نحن لا نقول أننا صادقون أو كاذبون في هذا الخبر لأن هذه مسألة بعيدة عنا، ولا دخل لنا بها، إنما هي من الله الذي أخبرنا هذا الخبر، فنحن لا نوصف فيه، لا بصدق ولا بكذب. ولكي يكون الإنسان عادلا ينبغي أن ينسب الفعل إلى فاعله، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر قومه خبر إسرائه قال:

" لقد أسري بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس "

ولم يقل سريت ومع ذلك سأله القوم: أتدعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وهذه مغالطة منهم، لا عدم فهم لمقالة رسول الله لأنهم أمة كلام، ويفهمون جيدا معاني الألفاظ. إذن: رسول الله ما سرى بذاته، إنما أسرى الله به، فمن أراد أن يبحث هذه المسألة فليبحثها في ضوء قدرة الله، وكيف يكون الزمن بالنسبة لله تعالى، وقلنا: إن الفعل الذي يستغرق زمنا هو الفعل العلاجي، إنما ربنا - تبارك وتعالى - لا يعالج الأفعال، فقط يقول كن فيكون، والفعل يتناسب مع زمنه تناسبا عكسيا، فكلما زادت قوة الفاعل قل زمن الفعل. وعليه لو نسبت حادثة الإسراء إلى قوة الحق تبارك وتعالى لوجدت الزمن لا زمن. ثم يجيب الحق تبارك وتعالى عن سؤالهم ﴿ متى هذا الفتح.. ﴾ [السجدة: 28] بما يفيد أنه سؤال استبعاد واستهزاء، فيقول سبحانه: ﴿ قل يوم الفتح... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦١٢