وعلم آدم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين
[البقرة: 31]. وهذا أمر منطقي لأن اللغة المسموعة بالأذن لا يمكن لأحد اختراعها، ومع ذلك يوجد من يعترض على هذه المسألة، يقول: هذا يعني أن اللغة توقيفية، لا دخل لنا فيها. بمعنى: أننا لا نستحدث فيها جديدا. ونقول: نعم، اللغة أمر توقيفي، لكن أعطى الله آدم الأسماء وعلمه إياها، وبهذه الأسماء يستطيع أن يتفاهم على وضع غيرها من الأسماء في المعلومات التي تستجد في حياته. وإلا، فكيف سمينا الراديو والتليفزيون.. إلخ وهذه كلها مستجدات لا بد لها من أسماء، والاسم لا يوجد إلا بعد أن يوجد مسماه، وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر هذه الأسماء، وتوافق على استخدامها، وقد اصطلح المجمع على تسمية الهاتف: مسرة. والتليفزيون: تلفاز.. إلخ. إذن: أتينا بهذه الألفاظ واتفقنا عليها لأنها تعبر عن المعاني التي نريدها، وهذه الألفاظ وليدة الأسماء التي تعلمها آدم عليه السلام، فاللغة بدأت توقيفية، وانتهت وضعية. وقوله تعالى بعد هذه النعم: ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ [السجدة: 9] دليل على أن هذه النعم تستوجب الشكر، لكن قليل منا من يشكر، وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا، وكلما أبصرنا، وكلما عملت عقولنا وتوصلت إلى جديد.
لذلك، كان شكر المؤمن لربه لا ينتهي، كما أن أعياده وفرحته لا تنتهي، فنحن مثلا نفرح يوم عيد الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها الله علينا، وفي عيد الأضحى نفرح لأن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - تحمل عنا الفداء بولده، لكي يعفينا جميعا من أن يفدي كل منا، ويتقرب إلى الله بذبح ولده، وإلا لكانت المسألة شاقة علينا لذلك نفرح في عيد الأضحى، ونذبح الأضاحي، ونؤدي النسك في الحج. وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح بأداء الفرائض وعمل الطاعات، فلماذا لا نفرح كلما صلينا أو صمنا أو زكينا؟ لماذا لا نفرح عندما نطيع الله بعمل المأمورات، وترك المنهيات؟ لماذا لا نفرح في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الأكبر، يوم تتجمع حصيلة هذه الأعمال، وننال ثوابها الجنة ونعيمها؟ واقرأ إن شئت قول ربك:
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
[يونس: 9-10].