تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبصرنا وسمعنا..

[السجدة: 12] لأنها تصور مشهدا من مشاهد القيامة وفيه يفاجأ الكفار بأهوال القيامة، ويأخذهم المنظر قبل أن يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي. ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار، لكن المذكور هنا: ﴿ السمع والأبصار.. ﴾ [السجدة: 9] فالسمع مفرد، والأبصار جمع، فلماذا أفرد السمع وجمع البصر؟ قالوا: لأن الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاء يسدل عليه ويمنع عنها المرئيات، فإذن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتا واحدا، أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا. ولم يأت البصر مفردا - في هذا السياق - إلا في موضع واحد هو قوله تعالى:

إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا

[الإسراء: 36] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلا بد أن يكون واحدا. ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخلق لأن الإنسان يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلم ويكتسب المعلومات والخبرات كما قال سبحانه:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. إذن: فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض، وبها يتعايش مع غيره، ولا بد له من اكتساب المعلومات، وإلا فكيف سيتعايش مع بيئته؟ وقلنا: إن الإنسان لكي يتعلم لا بد له من استعمال هذه الحواس المدركة، كل منها في مناطه، فاللسان في الكلام، والعين في الرؤية، والأذن في السمع، والأنف في الشم، والأنامل في اللمس. وقلنا: إن هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة، حيث عرفنا فيما بعد حواس أخرى لذلك احتاط العلماء لهذا التطور، فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم " الحواس الظاهرة " ، وبعد ذلك عرفنا حاسة البين التي نعرف بها رقة القماش وسمكه، وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل. إذن: حينما يولد الإنسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولو أن الإنسان يعيش وحده ما احتاج مثلا لأن يتكلم، لكنه يعيش بطبيعته مع الجماعة، فلا بد له أن يتكلم ليتفاهم معهم، وقبل ذلك لا بد له أن يسمع ليتعلم الكلام. وعرفنا سابقا أن اللغة وليدة السماع، فالطفل الذي يولد في بيئة عربية ينطق بالعربية، والذي يعيش في بيئة إنجليزية ينطق الإنجليزية وهكذا، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن لا ينطق اللسان. لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في قول الله تعالى:

صم بكم..

[البقرة: 18] أن البكم وهو عدم الكلام نتيجة الصمم، وهو عدم السماع، فالسمع - إذن - هو أول مهمة في الإنسان، وهو الذي يعطيني الأرضية الأولى في حياتي مع المجتمع من حولي.

ومعلوم أن تعلم القراءة مثلا يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق، فهذه ألف، وهذه باء، هذه فتحة، وهذه ضمة.. إلخ، فإذا لم أسمع لا أستطيع النطق الصحيح، ولا أستطيع الكتابة. وبالسماع يتم البلاغ عن الله من السماء إلى الأرض لذلك تقدم ذكر السمع على ذكر البصر. والحق سبحانه لما تكلم عن السمع بهذه الصورة قال: أنا سأسمع أسماء الأشياء، فهذه أرض، وهذه سماء.. إلخ، لذلك حينما نعلم التلميذ نقول له: هذه عين، وهذه أذن. وبعد أن يتعلم التلميذ من معلمه القراءة يستطيع بعد ذلك أن يقرأ بذاته، فيحتاج إلى حاسة البصر في مهمة القراءة، فإذا أتم تعليمه واستطاع أن يصحح قراءته بنفسه، واختمرت عنده المعلومات التي اكتسبها بسمعه وبصره استطاع أن يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه، واستطاع أن يربي نفسه ويعلمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خلالها أشياء جديدة، ربما لا يعرفها معلمه، وهذه مهمة الفؤاد ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة.. ﴾ [السجدة: 9]. فالمعاني تتجمع بهذه الحواس، حتى يصير الإنسان سويا لديه الملكة التي يتعلم بها، ثم يعلم هو غيره. واللغة المنطوقة لا تتعلم إلابالسماع، فأنا سمعت من أبي، وأبي سمع من أبيه، وتستطيع أن تسلسل هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه السلام أبي البشر جميعا، فإن قلت: فممن سمع آدم؟ نقول: سمع الله حينما علمه الأسماء كلها:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٨٧