تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من مآء..

[المرسلات: 20] ومرة

من تراب..

[الكهف: 37] ومرة

من طين

[المؤمنون: 12] ومرة

من صلصال..

[الحجر: 33] ومرة

من حمإ مسنون

[الحجر: 26].. إلخ، فأي هذه العناصر أصل للإنسان؟ وقلنا: إن هذه مراحل مختلفة للشيء الواحد، والمراحل لا تقتضي النية الأولية، فالماء والتراب يكونان الطين، فإذا ترك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون، فإذا ترك حتى يجف ويتجمد فهو الصلصال، فهذه العناصر لا تعارض بينها، ويجوز لك أن تقول: إن الإنسان خلق من ماء، أو من تراب، أو من طين.

.. إلخ. والمراد هنا الإنسان الأول، وهو سيدنا آدم - عليه السلام - ثم أخذ الله سلالته من ماء مهين، والسلالة هي خلاصة الشيء، فالخالق سبحانه خلقنا أولا من الطين، ثم جعل لنا الأزواج والتناسل الذي نتج عنه رجال ونساء. ثم يحتفظ الخالق سبحانه لنفسه بطلاقة القدرة في هذه المسألة، وكأنه يقول لك: إياك أن تفهم أنني لا أخلق إلا بالزوجية، إنما أنا أستطيع أن أخلق بلا زوجية كما خلقت آدم، وأخلق من رجل بلا امرأة كما خلقت حواء، وأخلق من امرأة بلا رجل كما خلقت عيسى عليه السلام. وقد تتوفر علاقة الزوجية ويجعلها الله عقيما لا ثمرة لها، وهكذا تناولت طلاقة القدرة كل ألوان القسمة العقلية في هذه المسألة، واقرأ إن شئت:

لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير

[الشورى: 49-50]. إذن: هذه مسألة طلاقة قدرة للخالق سبحانه، وليست عملية ميكانيكية، لأنها هبة من الله

يهب لمن يشآء إناثا..

[الشورى: 49] ولاحظ أن الله قدم هنا الإناث، وهم الجنس الذي لا يفضله الناس أن يولد لهم، ولكن تجد الذي يرزقه الله بالبنت فيفرح بها، ويعلم أنها هبة من الله يعوضه الله بزوج لها يكون أطوع له من ولده. كما أنه لو رضي صاحب العقم بعقمه، وعلم أنه هبة من الله لعوضه الله في أبناء الآخرين، وشعر أنهم جميعا أبناؤه، ولماذا نقبل هبة الله في الذكور وفي الإناث، ولا نقبل العقم، وهو أيضا هبة الله؟ ثم ألست ترى من الأولاد من يقتل أباه، ومن يقتل أمه؟ إذن: المسألة تحتاج منا إلى الرضا والتسليم والإيمان بأن العقم هبة، كما أن الإنجاب هبة. ثم إن خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام من طين جاء من البداية على صورته التامة الكاملة، فخلقه الله رجلا مستويا، فلم يكن مثلا طفلا ثم كبر وجرت عليه سنة التطور، لا إنما خلقه الله على صورته، أي: على صورة آدم. والبعض يقول: خلق الله آدم على صورته أي على صورة الحق، فالضمير يعود إلى الله تعالى، والمراد: على صورة الحق لا على حقيقة الحق، فالله تعالى حي يهب من حياته حياة، والله قوي يهب من قوته قوة، والله غني يهب من غناه غنى، والله عليم يهب من علمه علما. لذلك قيل: " تخلقوا بأخلاق الله " لأنه سبحانه وهبكم صفات من صفات تجليه، وقد وهبكم هذه الصفات، فاجعلوا للصفة فيكم مزية وتخلقوا بها، فمثلا كن قويا على الظالم، ضعيفا متواضعا للمظلوم، على حد قول الله تعالى في صفات المؤمنين:

أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..

[الفتح: 29]. وقال:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..

[المائدة: 54]. وهذه الصفات المتناقضة تجتمع في المؤمن لأنه ليس له طبع واحد، إنما الموقف والتكليف هو الذي يصبغه ويلويه إلى الصفة المناسبة. وقلنا: إن علماء التحاليل في معاملهم أثبتوا صدق القرآن في هذه الحقيقة، وهي خلق الإنسان من طين حينما وجدوا أن العناصر المكونه لجسم الإنسان هي ذاتها العناصر الموجودة في التربة، وعددها 16 عنصرا، أقواها الأكسوجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النيتروجين، ثم الصوديوم، ثم الماغنسيوم، ثم البوتاسيوم.. إلخ.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٥٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٥٨٥