" رأيت ربي، وقد أجلس بين يديه خصمين، فقال أحدهما: يا رب إن هذا ظلمني فخذ لي حقي منه، فقال: كيف آخذ لك حقك منه؟ قال: أعطني من حسناته بقدر ما أساء إلي، فقال: ليست له حسنات، فقال: فخذ من سيئاتي واطرح عليه، فقال أويرضيك ألا تكون لك سيئة؟ قال: إذن، يا رب كيف أقضي حقي منه؟ قال: انظر يمينك، فنظر الرجل يمينه، فوجد قصورا وبساتين وجنانا، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فقال: لمن هذه يا رب؟ قال: لمن يدفع ثمنها، فقال: وما ثمنها يا رب؟ قال: أن تأخذ بيد أخيك إلى الجنة، فعجبت من رب يصلح بين عباده ".
هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر.
فالرد عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحرا، سحر من آمن به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس ساحرا، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله. أما قولهم: شاعر، فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة، وهم أكثر خلق الله تمييزا للشعر من النثر، وخير من يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى الرد عليهم، فقال:
وما علمناه الشعر وما ينبغي له..
[يس: 69]. وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه:
وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون
[الحاقة: 41-42]. فلما خابت كل هذه الحيل، وكذبت كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يعلمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يشق له غبار في الفصاحة وحسن الأداء، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكانا خاصا بهم، فقالوا وادي عبقر، وهو مسكن هؤلاء الجن الذين يلهمون البشر ويعلمونهم. والشعر كلام موزون مقفى، وله بحور معروفة، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: ﴿ أم يقولون افتراه.. ﴾ [السجدة: 3]. فقوله تعالى: ﴿ أم يقولون.. ﴾ [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلا: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل ﴿ تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ﴾ [السجدة: 2] فالمعنى: أيصدقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا ريب فيه؟ أم يقولون افتراه محمد، فأم هنا جاءت لتنقض ما يفهم من الكلام السابق عليها. وقوله: ﴿ بل هو الحق من ربك.. ﴾ [السجدة: 3] نعرف أن بل تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: ﴿ افتراه.. ﴾ [السجدة: 3] كما لو قلت: زيد ليس عندي بل عمرو، فأفادت الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله يقول: ﴿ بل هو الحق من ربك.. ﴾ [السجدة: 3] فكلامهم واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله. وقلنا: إن ﴿ الحق.. ﴾ [السجدة: 3] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبدا، كيف؟ هب أن حادثة وقعت نتج عنها مدع ومدعى عليه وشهود، واجتمعوا جميعا أمام القاضي، وقد يحدث أن يغير أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور. لكن خبرة القاضي ودربته تكشف الحقائق وتظهر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى أن يصل إلى الحقيقة ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعا لاتفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تظهر الباطل المتناقض وتبطله وتحق وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض. كالقاضي الذي اجتمع أمامه خصمان، يدعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالا ولم يرده إليه، فقال المدعي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدعي، فقال القاضي للمدعى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعي: لقد أبطأ صاحبك، فقال: أبطأ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها.