﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السمآء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت ﴾.
ان هذه المشاهد معروضة لنظر الانسان حيثما كان: الحيوان والسماء والأرض والجبال. وأيا ما كان حظ الانسان من العلم والحضارة فهذه مشاهد داخلة في عالمه وإدراكه. ويذكرنا الله تعالى بأن ننظر ونعتبر بهذه القدرة الخارقة والتدبير المحكم.
فالجمل حيوان عجيب ونفعه كبير جدا، عليه يسافر الانسان ويحمل أثقاله. ومن لبن الناقة يشرب، ويأكل من لحومها، ومن أوبار الإبل وجلودها يلبس ويتخذ المأوى. فقد كانت الجمال ولا تزال في كثير من بقاع الأرض مورد الحياة الأول للانسان ومن احسن المواصلات، حتى سميت سفن الصحراء. وهي قليلة التكاليف وعلى قوتها وضخامتها يقودها الصغير فتنقاد. ولهيئتها مزية وفي تكوينها عجب. فعينا الجمل ترتفعان فوق رأسه، وترتدان الى الخلف. ولهما طبقتان من الأهداب تقيانهما الرمال والقذى. وكذلك المنخران والأذنان يكتنفها الشعر للغرض نفسه. فاذا ما هبت العواصف الرملية، انقفل المنخران وانثنت الأذنان نحو الجسم. والإبل أصبر الحيوان على الجوع والعطش والكدح، ومزاياها كثيرة لا يتسع المقام لبسطها. وما زال العلماء يجدون في الجمل كلما بحثوا مصداقا لحض الله تعالى لهم على النظر في خلقه المعجز.
﴿ وإلى السمآء كيف رفعت ﴾
وتوجيه القلب الى السماء يتكرر في القرآن لما فيها من بهجة وجمال بهذه الملايين من النجوم المنثورة فيها، وما في خلقها من عظمة تدل على عظمة الخالق وجلاله.
﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾
ألا يشاهدون هذه الجبال الشامخة كيف نصبت على الأرض لحفظ توازنها فلا تميل ولا تميد، فهي علم للسائر، وملجأ من الجائر، ونزهة للناظر.
﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾
ألا ينظرون الى الأرض التي يتقلبون عليها كيف مهدها الله لهم، فأين ما سافر الانسان يجدها مبسوطة سهلة مع أنها كروية الشكل.
والله تعالى يوجه انظارنا الى ما حولنا من مخلوقات وما نرى في هذه الطبيعة الجميلة حتى نتعظ ونؤمن بقدرة من خلق هذا الكون العجيب، وما فيه من الكائنات، وقدرته على حفظها وإحكام صنعها، كي ندرك انه قادر على ان يرجع الخلق الى يوم يوفى فيه كل عامل جزاء عمله.
بعد أن بين الله للناس أمر الآخرة وما فيها من نعيم وشقاء، ونبه الى مشاهد الكون المعروضة أمام الأنظار - وجه الخطاب الى الرسول عليه الصلاة والسلام ليقوم بواجبه وطبيعة رسالته، بقوله الكريم:
﴿ فذكر إنمآ أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾.
ذكر الناس أيها الرسول بالآخرة وما فيها، وبالكون المعروض أمامهم وما فيه من عجائب، فإن مهمتك التبليغ ودعوة الناس الى ما فيه خيرهم ولست عليهم بمتسلط. وحسابهم على الله، لكن من أعرض منهم وكفر فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئا، وأمرهم الى الله يعذبهم العذاب الذي لا عذاب فوقه.
ثم ختم هذه السورة الكريمة بآيتين قصيرتين جليلتين أكد فيهما رجوع الناس إليه وحسابهم الدقيق في ذلك اليوم فقال:
﴿ إن إلينآ إيابهم ثم إن علينا حسابهم ﴾
إنهم راجعون الينا، وسنحاسبهم على ما كسبت أيديهم في سجل لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها.
قراءات:
قرأ أهل البصرة غير سهل: تصلى بضم التاء. و الباقون تصلى بفتحها. وقرأ أهل البصرة غير سهل: لا يسمع فيها لاغية بضم الياء ورفع لاغية. والباقون: لا تسمع بفتح التاء ونصب لاغية. وقرأ نافع: لا تسمع فيها لاغية بالتاء المضمومة ورفع لاغية.