وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه
[الروم: 27].
ثم بين وقت الرجع، ذلك اليوم العظيم فقال:
﴿ يوم تبلى السرآئر ﴾
إنه يوم القيامة، يوم يعيد الله الخلق فتنكشف السرائر، وتتضح الضمائر، وتمتحن القلوب وتختبر.
﴿ فما له من قوة ولا ناصر ﴾
فليس للإنسان في ذلك اليوم قوة تدفع عنه العذاب ولا ناصر ينصره ويجيره، فلا قوة له في نفسه، ولا أحد ينصره، الا ما قدمه أمامه من عمل صالح.
وبعد أن بين الله تعالى امر المبدأ والمعاد، وانه قادر على اعادة الحياة، ووجه الانظار الى التدبر في برهان هذه القدرة - شرع يثبت صحة رسالة النبي الكريم الى الناس كافة، وصحة ما يأتيهم به من عند الله، وهو القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه، فأقسم على صدق هذا الكتاب فقال:
﴿ والسمآء ذات الرجع والأرض ذات الصدع ﴾
أقسم بالسماء ذات المطر (وهو أنفع شيء ينتظره الخلق، الذي يرجع حينا بعد حين، ولولاه لهلك الناس، وهلك الخلق، هذا الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي..) كما أقسم بالأرض التي تتصدع وتنشق، فيخرج منها النبات والأشجار والزهر وكل ما يفيد الناس ويقيتهم - إن ما جاء به محمد ﴿ إنه لقول فصل وما هو بالهزل ﴾ أي إن هذا القرآن لهو قول فاصل بين الحق والباطل، قد بلغ الغاية في بيانه وتشريعه وإعجازه، وهو جد ليس فيه شيء من الهزل والعبث، لأنه كلام أحكم الحاكمين.
ثم بين ما يدبره الكافرون للمؤمنين، وما تحويه صدورهم من غل ومكر فقال: ﴿ إنهم يكيدون كيدا ﴾ ويمكرون بالمؤمنين، ويحاولون صرف الناس عن الدين القويم، كما جاء في قوله تعالى:
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين
[الأنفال: 30].
ثم ذكر ما قابلهم ربهم به، وما جازاهم عليه، وطلب من رسوله الكريم ان يتأنى عليهم ليرى أخذه لهم فقال: ﴿ وأكيد كيدا فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ﴾.
ان هؤلاء المشركين يعملون المكايد لإطفاء نور الله، وصد الناس عن شريعته، وأنا أجازيهم على كيدهم بالإمهال ثم النكال، حيث آخذهم أخذ عزيز مقتدر.. لكن بعد أن أمهلهم قليلا. وقد صدق وعده، ووعده الحق.
قراءات
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر: ان كل نفس لما عليها حافظ، بتشديد لما، وهي بمعنى إلا. وقرأ الباقون: لما بغير تشديد وهي بمعنى اللام: لعليها حافظ.