صدره يغلي كأنه المرجل, ففي أعماقه آلام أمة طالما غطت في منامها وفي آهاته الحرى وزفراته المحرقة انعكاس لجراح عميقة تعتمل في طياته.
يجلس إليك فلا ينبس ببنت شفة, يغضي حياء وهو يصغي إليك لايحب الثرثرة ولا اللغو, ولا يحب أن يشغلك عما بين يديك من عمل. ان كانت لديه حاجة ماسة جاءك وعرض قضيته دون مقدمة ولا تذييل, ثم يهب كأنما لدغته أفعى, أو ألهب ظهره سوط, ويمضي ولا تراه يمشي متلكئا ولا متباطئا.
عرفته في صدى: كان مع مجموعة من إخوانه, في زاوية من زوايا المخيم, يعرف موعد الدرس بعد الغروب, فيتكبدون عناء تسلق الجبال, رغم زمهرير الشتاء وانهمار المطر, ثم ينسلون دون أن يحس بهم أحد , وفي غلس الظلام يتحدرون إلى مستقرهم ومهجعهم.
إلى الأورغون: وانطلق إلى الأورغون مع إخوانه وما لهم لا ينشدون مع أبي فراس:
لا تحرز الدرع عني نفس صاحبها ... ولا أجير ذمام البيض واليلب
ولا أعود برمحي غير منحطم ... ولا أروح بسيفي غير مختضب
وتجمع حوله مجموعة من الإخوة الباكستانيين تحسب الواحد منهم أسدا , وأخذوا يقدمون الشهيد تلو الشهيد حتى وصل شهداؤهم إلى العشرين وهم بين خوست والأورغون وغزني, وقد تعلقت أرواحهم بالقائد المعروف أرسلان رحماني, العالم الرباني المجاهد الذي كان له قصب السبق من بين إخوانه العلماء في الدخول إلى معمعان المعارك, والذي رويت عنه كثيرا من الكرامات التي حصلت معه وأودعتها كتاب (آيات الرحمن في جهاد الأفغان).
والحق أنها أرواح و الأرواح جنود مجندة, ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فروح خالد بصفائها التقت مع روح أرسلان بنقائها ونفس خالد بوضوحها وجدت طريقها إلى نفس أرسلان بصدقها.
وألقى رحاله بين خوست والأورغون, وبث رجاله كالليوث يغدون ويروحون وجرح مساعده عبد الرحمن بعينه ثم عاد بعد أن عالج عينه وواصل خوض غمار المعارك. التحريض على القتال: وكان يختطف من وقته ما يستطيع فيه أن يدعو إخوانه الذين تركهم يدرسون ويدر سون في المعاهد الشرعية إلى الجهاد ويستحث خطاهم إلى أرض موطن الجلاد. إذ أصبحت أفغانستان بجهادها روحه وريحانه , ويهصر في هضابها من شبابه ريعانه.
كنت ذات مرة في مهرجان جهادي في كراتشي والناس ينتظرون خالدا فأقبل كعادته كأنما ينصب من عل وألقى كلمته ثم غادر.
شجاعة كتيبته: والتف حوله شباب له أن يردد معهم لحنه العذب:
سأطلب حقي بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التثموا مرد
ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا ... عدوا
وطعن كأن الطعن لا طعن عنده ... وضرب كأن النار من حره برد
إذا شئت حفت بي على كل سابح ... رجال كأن الموت في فمها شهد
والحق أن شجاعة هؤلاء الإخوة نادرة وإن كنت أنسى فلا أنسى قصة أحدهم نصر الله الذي خاض معركة ضد طائرة هليوكبتر وقتل بعض أفرادها ونجاه الله رغم أن الطائرة كانت قد أعدت كمينا له ولإخوانه ولكنه خرج وجراحه تنزو دما , ورحم الله إرشاد الحق: شهيدهم وقائدهم الأول والذي سقط في أرض المعركة. وكم استشهد من هذه الزمرة الصادقة دون أن تجد قلما صادقا يذكرها أو لسانا مخلصا ينوه بها.
الشيخ سيف الله أختر: ومن الواجب علينا أن ننوه بذكر الشيخ سيف الله الذي كان له الفضل بعد الله في تجميع هؤلاء الشباب بعد أن تسلم الراية من إرشاد الحق, ورغم قلة ذات اليد, وضيق الحال فإن مسيرته المضنية ماضية, ومواصلته على درب الشوك وطريق الدم مستمرة.
فتح شرانه: وقبل شهرين كان خالد زبير في مقدمة الذين فتحوا عاصمة الأورغون وبكتيكا (شرانه) , وليس هذا بجديد عليهم إذ دأبهم أن يقتحموا حصون الأعداء بين السابقين من المجاهدين, وعلى أيديهم وأيدي أمثالهم من المجاهدين وتحت قيادة (مولوي أرسلان) فتحت كل بكتيكا.
الشهادة في خوست: كان خالد رحمه الله يتنقل بين خوست وغزني والأورغون ويحاول أن يرتفع بمستوى إخوانه القتالي وقد يصل عدادهم أحيانا المئين.
وخطط خالد أن يفتتح مركزا للشيوعيين في خوست واقتحمه مع أصحابه وكان الموت له بمرصد, فقد انفجر تحت قدميه لغم فطارت إحداهما وكسرت عظام الأخرى.
وجاءني سيف الله إلى المكتب يخبرني بجرح خالد وبإصابته البالغة الخطيرة وبعدها بيومين في يوم الخميس في السابع والعشرين من يناير (9891م) جاءني سيف الله يخبرني بأن روح خالد أفاضت إلى خالقها, وعندها تركت مكتبي رأسا وتوجهت إلى مستشفى خيبر فوجدته مسج ى فوق السرير وعلى محياه تلك الإشراقة التي ماكانت