تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كنت أراه بين الحين والآخر فأعاتبه عتابا رقيقا لأني أطمع أن أظفر برؤيته والتحدث إليه فكان يغضي حياء إذ أن طبيعته الصمت ومن سماته الحياء هذا إلى الشجاعة التي كانت من معالم شخصيته البارزة في جاهليته وإسلامه.

في الإسكندرية: ولد وترعرع وكان يهوى البطولة ويعشق القوة وفي عرصتها كان هذا الفتى يحمل سكينا به سلسال يلوح به كرمز من رموز الصعاليك الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. رجل تمرس في الصعاب ... ولم تنل منه الصعاب

لوهمه انتاب الهضاب ... لدكدكت منه الهضاب

إلى أفغانستان: وسمع بدوي القذائف وزلزلة الأرض وتفجير البراكين فوق أرض الغزنوي وصمم أن يكون بين هؤلاء القوم الذين يكاد الخيال يحسبهم جنا في ثياب أنس.

وترامى إلى مسامعه في بيشاور خبر الشيخ جلال الدين حقاني وصمم أن يكون في جواره وأن يواصل معه المسيرة التي تصنع التاريخ وتبني الأمجاد وتحيي الأمم.

عبس الخطب فابتسم ... وطغى الهول فاقتحم

وفي هذه المنطقة وبين جبهاتها ارتبطت روحه وتعلقت نفسه فما يستطيع لها فراقا ولايصبر عنها بعدا , يستوحش عن بيشاور حيث يأنس القاعدون, وينفر من مجالس القيل والقال حيث القوم راتعون يحللون الأحداث السياسية ويرتبون المجاهدين في مراتب ودرجات كما تسول لهم أنفسهم.

ومنذ قرابة خمس سنوات وعبد الرحمن هنالك في أرض الجبهة, لاتسأل عنه إلا قيل لك عمل عملية على باري, ضرب مطار خوست, في جور وماني كانداومع صاحبه أبي حفص, ومصطفى وأبي عبيدة.

ثم انشغل أبو حفص بأعمال أخرى, في إسلام آباد, في المأسدة وبقي عبد الرحمن بجانب الشيخ جلال الدين.

كم من منزل في الأرض يعشقه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل

الزواج: وجاءني الإخوة وقالوا نريد بيتا لعبد الرحمن فهويريد الزواج, فقلت لهم أعطوه بيتا وافرشوه بما تيسر من متاع وادوات, وتزوج عبد الرحمن وصار يعطي أهله بعض وقته الذي كان خالصا للجبهة من قبل ووجد أن هذا الوقت قد أصبح يضيع على الجبهة, وعرض الأمر على الشيخ جلال الدين حقاني فوفر له بيتا في ميرانشاه وانتقل إليها وودع بيشاور وداعا غير وامق, وعاش على قرب ساعة من الجبهة يأتيه أحيانا بعض إخوانه العرب ومعظم أوقاته وحيدا وهو يتقن الفارسية فعاش بين الأفغان كأنه أحدهم وكثيرا ما كان رجال الأمن من باكستان يمسكون بعض العرب أما هو فيتركونه بسبب لغته ظنا منهم أنه أفغاني, لا يستوحش إلا البندقية ولا يأنس إلا بوحدته وسلاحه.

فيم انفرادك لا أنيس ... تراه في القفر المخيف

في ربقة الوهج الحرور ... وغل عاصفة عصوف

صبرت للهوج اللوافح ... في الضحى صبرالأنوف

وطلبت ... وحدة راهب ... فيها وعزلة فيلسوف

الشهادة: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) , لقد تعرض عبد الرحمن عدة مرات للموت المحقق ولكن الله ينجيه إلى القدر المحدود, وكان آخر الحوادث التي تعرض لها حادثة سيارة استشهد من فيها ولم ينج إلا عبد الرحمن وأخر وقبل وآخر, وقبل أيام جاءت سكرة الموت التي لامفر منها, وسقط الركن القوي مجندلا بدمائه, وغادر عبد الرحمن دون تحية وداع ولا عناق أحبة.

كسا دمه الأرض بالإرجوان ... واثقل بالعطر ريح الصبا

وعفر منه بهي الجبين ... ولكن عفارا يزيد إلبها

وبان على شفتيه ابتسام ... معانيه هزء بهذي الدنى

ونام ليحلم حلم الخلود ... ويهنأ فيه بأحلى الرؤى

عشاق الحور · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٧٥