تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لما تدانى للوداع سألته ... فأجابني أبشر وصلت موفدا

فندعو الله أن يجمعنا وإياه في الصالحين.

الشهيد أبو محمد اليمني:

قالوا استشهد وما علم الناعون أنه كان ومضا لعيوني, وأملا ترعرع عوده في وجداني ما كنت أحسب أنه ينمو على كتف المنون, ذاك الذي كان في صدره حلما أخضرا .. طورا كان يعبر عنه بزمجرة وأطوارا يشدوا به كقيثار حزين, فلقد كان كالأتون.

لقد توج الشيب رأسه برغم عمره الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين, وعلى جبينه تركت أنا ملها السنون, متوضيء الخطوات والكلمات00 صوام العيون00 والإبتسامة لا تخطيء طريقها إلى شفتيه أبدا 00 وكان كأروع مايكون الأصدقاء, وكان كالصفي الرقيق00 (فتيا , أبيا , ذكي البريق, شفيفا , رهيفا , كطل رقيق).

يطل من عينيه عزم كالنهار, وفي صدره دائما أمل يستفيق, وفي أعماق أعماقه ثورة تستعر, كان كتلة من النشاط والحيوية والحركة, يتنقل من مسجد إلى مسجد في منطقته, يلقي فيها ما فتح الله عليه من الدروس والعبر, ويربي البراعم على مائدة القرآن ويحبب للشباب الذين في مثل سنه إسلامهم وعندما كان في خدمة الجيش لم تفتر له همة ولم تكل له إرادة أندفع يعلم الجنود أصول عقيدتهم, ومبادئ دينهم حتى نال رضى ضباطه, وجعلوه مشرفا على المعلمين, وحاز على حب الجند فصار كل فرد منهم ينظر إليه نظر ة اجلال وحب وتقدير00 كان عملاقا بإيمانه, وآماله وطموحه, وفي طرحه الموضوعي عند مناقشته لخصومه, فلم يخدش أحدا بكلمة نابية, وإذا حضر أي مجلس أو مقيل يذكر الجالسين بالله وبهموم أمته وجراحات المسلمين في شتى بقاع المعمورة.

رفض أن يعيش في عصر اللافتات, يلوك الكلمات ويمضغ الشعارات, فنذر نفسه لله, فكان في الصفوف الأولى مع المجاهدين والمرابطين كان سفرا من آلام الكفاح, ونبعا صافيا يتدفق بالحب والإخاء والإيثار00 وذكاء يتألق من خلال سيرته الدراسية, نال شهادة الدنيا بتفوق فلم يرض بها, وأحس أنها شهادة للحطام فلقد حملت نفسه طموحا عاليا وهمة سامية, فتتطلع إلى شهادة عالية, تعلي دعوته, خالدة كخلود رسالته, رفيعة كرفعة عقيدته التي يحملها بين جنبيه, فبحث عن هذه الشهادة, فوجدها في الجهاد, وفي أرض الجهاد أرض الأفغان الطاهره.

أواه -أيها الشهيد- كنت تلميذا فصرت لنا اليوم أستاذا تعلمنا معاني العطاء والبذل في سبيل الإسلام الغالي, علمتنا أن جنسيتك هي عقيدتك, ووطنك هو دار الإسلام, وغايتك الله, وقدوتك رسول الله, ودستورك هو القرآن, وطريقك هو الجهاد.

علمتنا أن نفرتك للجهاد في سبيل الله إنما هي انطلاقة من قيد الأرض وارتفاع على ثقلة اللحم والدم, وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان, وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانك -أيها الشهيد- على عنصر العقيدة والضرورة, وتطلع إلى الخلود الممتد, وخلاص من الفناء المحدود.

وها أنت ترحل قبل أن تستحم بضوء الخلافة بعد, ولكن لن تستطيع الدموع أن تخذلنا, وستكون التعازي زيتا يخدعنا لتقديم المزيد من الشهداء من أحفاد الأنصار, ولأن آية الشهادة في كتاب ربنا تتلى على مسامعنا كل يوم (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله) فتهدأ كل الأحزان, لأننا نعلم ان الناس يموتون كل يوم .. ولكن الشهيد لا يموت أبدا , ونؤمن أن الله لايختار للشهادة إلا من يطرد الدنيا خارج حدود بدنه, فهنيئا لك الشهادة ياأبا محمد ولكل الذين سبقوك, وليكن استشهادك قمة محترقة, تقذف حماما وبارودا ونارا على التتر الحمر الهمجيين, وأن تشرب الأرض الطيبة العطشى دمك الزكي.

هنيئا لك الشهادة يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح مسك ولإن كتبت بدمائك العبقة وثيقة الشهادة وأذبت فيها روحك بنبل وفائك لدعوتك الراشدة وحلمت بحلمك الأخضر قيام الخلافة الراشدة والدولة الإسلامية في أفغانستان فالتهنأ ولتطمئن فإنا نلمح اليوم طير ينقر غيمات حبل تستنزف منها بعض الطل, وبشائر النصر تلوح في الأفق وبنزيفك الجاري بأطباق الثرى رويت شجرة الحرية المنشودة وكانت تلك الشظية التي أصابتك نبع زلال يروي كل الظامئين للعزة والإباء والكرامة.

فلنبتهل وندعوالله صادقين أن يتقبل الذين انتصروا رغم الإبادة .. للذين عبروا فوق درب الشهادة00 للذين كتبوا بدمائهم الزكية فوق ربى الأفغان .. إنما الموت أحلى ولادة.

عشاق الحور · الصفحة ٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٧٠