تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أحقا قضى ذلك الفتى الغض (هشام) ?

الآن عرفت لماذا كان يلح علي في الإعتذار, كلما كنت أعاتبه على كثرة تغيبه عن الدراسة في المعهد000 أقول له: يا هشام00 اتق الله إنك أمير فصلك000 والطلاب يشكونك كلما وبخت أحدهم أو قاصصته00 من ينضبط في الفصل إن لم ينضبط الأمير? وكان يقول لي: يا أستاذي, (أنا مربوش جدا) يقصد مشغول, أريد السفر إلى الخارج وقد لا أرجع إذا حصلت على تأشيرة00 وأنت تعرف أنها تحتاج إلى سعي وجهد ما بين السفارة والجوازات والخارجية000 وأقول له: حيرتني يا هشام00 إلى أين تريد السفر? فيقول لي: سامحني يا أستاذ000 فاذا وفقت في الحصول على التأشيرة وتهيأ السفر سأقول لك, و بقيت محتارا بين كثرة الكلام عليه من زملائه واعتزازي به وثقتي بصدقه000

وتمر الأيام و لا يسافر هشام000 وافتقده حيث كان يمر عندي يوميا ليأخذ الإذن بالغياب00 ثم تأتيني عنه شكوى ثانية من زملائه00 هشام يتغيب عن الحصة الأخيرة باستمرار00فأبعث إليه وأسأله: فيجيب بحرارة تشعرك بعمق إيمانه وبجدية لم أعهدها في أقرانه: (لا أستطيع يا أستاذي أن أسمع الأذان وأبقى جالسا في مقعدي وتفوتني صلاة الجماعة) 0

وتنتهي السنة الدراسية ويحصل هشام على شهادة الثانوية العامة وأبحث عنه فإذا هو هناك على ذرا الهندكوش, وسريعا سريعا كأنه على موعد مع شهادة أخرى لا تعدلها شهادة في الحياة رحمك الله يا هشام ونسأل الله عز وجل أن يلحقنا بك وأن يمن علينا بالرضى والسكينة, وحقا يا هشام: من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الجهاد)!!

أبو مازن

والد الشهيد هشام -الدكتور عبد الوهاب الديلمي- يتحدث للجهاد:

الجهاد: نرجو إعطاءنا فكرة عن الشهيد هشام .. عمره, دراسته, تربيته.

د. عبد الوهاب: الشهيد هشام ولد في يوم عيد الفطر من عام (9831) للهجرة, وتوفيت أمه وهو في سن الطفولة, فتنقل في صغره في أيد الحواضن, وفقد حنان أمه وعطفها, اللذين لا غنى عنهما للطفل, فلما آوى إلي بعد أن تزوجت, وبعد أن بلغ السابعة من عمره أدرك من حناني عليه وعطفي وحبي مالم يجده عند غيري, وكان بعد ذلك اإا سئل أي الأماكن التي تنتقل فيها أفضل, يرد قائلا: المكان الذي أكون فيه مع أبي.

ومما يلفت النظر إليه أنه أصيب وهوفي مرحلة الرضاعة, وفي عهد أمه بمرض كاد أن يلفظ فيه أنفاسه الأخيرة, ولم يعد لنا أمل في حياته, ولكن الموت والحياة بيد الله, فقد شاء الله سبحانه أن يموت شابا جلدا قويا مجاهدا في سبيل الله تعالى.

وكان من سمات هشام منذ الطفولة الحياء الذي كان محل غرابة عند كل من عرفه, فقد كان إذ ارأى امرأة أجنبية يلوي عنقه منها في خجل شديد, وهولم يبلغ التاسعة من عمره, وكان إذا تكلم لا يرفع صوته حياء حتى لايكاد يسمعه أحيانا من بجانبه.

وكان من يجالس هشاما ويحسن معرفته, يرى أن عقله أكبر من سنه بكثير, وقد تم له الإلتحاق بمعهد صنعاء العلمي في أثناء المرحلة الإعدادية حتى نهاية المرحلة الثانوية (قسم أدبي) ولا أنسى هنا أن أعترف بالفضل والجميل للمسؤولين والمدرسين بالمعهد لما بذلوه من جهد مشكور في تعليم وتربية الشهيد هشام رحمه الله, وقد نشأ بحمد الله نشأة طاهرة زكية, فما علمت عليه في حياته انه تلوث بشيءمما يشين خلقه, ويطعن في سلوكه, كما نشأ سليم العقيدة محافظا على العبادة, بعيدا عن مجالس السوء وكان كثير التتبع لأخبار العالم الإسلامي, شديد التعلق بكتب الدعاة البارزين: كسيد قطب, وأبي الحسن الندوي, والمودودي وغيرهم, وكان كلما ازدادت معرفته بالإسلام وما فيه من كنوز عظيمة يتقطع ألما للواقع الذي يعيشه المسلمون بعيدا عن منهج الإسلام وهديه, وختم حياته بالأمنية التي كان يرددها على لسانه عشرات المرات شهيدا في سبيل الله تعالى.

الجهاد: كيف تلقيتم خبر استشهاد ابنكم هشام?

د. عبد الوهاب: في يوم السبت (91) من المحرم الحرام جاءني جماعة من إخوانه في الله قبل الظهر, وقد تلقوا الخبر عن طريق الهاتف من باكستان باستشهاد هشام, وكانت زيارتهم لي في ذلك الوقت يكتنفها الإستغراب, وتحيط بها علامات الإستفهام, فأرادوا ان يخففوا وقع الحدث في نفسي, وظلوا يتحدثون عن أفضل الأعمال, وعن الجهاد في سبيل الله والشهادة ... إلخ, فعرفت أنه قد حدث شيء, فسألتهم هل جاءكم نبأ باستشهاد أحد? (وأنا أريد ابني) فقالوا عظم الله أجرك. فحزن القلب, وذرفت العين, واسترجعت وحمدت الله سبحانه على قضائه, وكانوا قد أخبروني أن الحادث كان في يوم الجمعة, لكن تلقيت بعد ذلك مكالمة هاتفية من باكستان كانت أكثر تفصيلا للحادث, وقد تضمنت الآتي: الإستشهاد كان في الساعة السادسة والنصف قبل مغرب يوم الخميس

عشاق الحور · الصفحة ٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ٥٦