أحقا ذوي ذلك الغصن الرطيب الذي كان يفضي على هرات نضارة وبهاء وإشراقة ورواء, أحقا مضى ذلك الأسد الهصور الذي ترهبه روسيا الأيام والشهور.
كنت لهرات بفضل الله قلبها النابض, وشريانها الدافق, وظلها الوارف ومعينها العذب الذي تنهل منه الأدب والرجولة والعز والشرف والكرم.
فرحمك المولى عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
نشأته:
في بيت عز ومحضن تربية ولد صفي الله سنة (4591م) في مديرية غوريان التابعة لهرات في قرية -قيسان- وترعرع مع نبل محتد, وأصالة معدن, وكريم عرق فلقد سبقه على طريق الدعوة إلى الله شقيقه حفيظ الله أفضلي الذي كون مع أخيه في الله سيد نورالله عماد بعون الله النواة الأولى للحركة الإسلامية في هرات.
كان كل منهما مشعلا من مشاعل النور في جامعة كابل, وتخرج حفيظ الله أفضلي من كلية الآدابقسم الإعلام, وأقبلت أيام داود وقررت الحركة مواجهة نظام داود بالقوة المسلحة وكان أول من اعتقل من أبناء الحركة الإسلامية (سيد نور الله) ثم ذهب الداعية الكبير (سيف الدين نصرت يار) إلى هرات وأخذ يتنقل بين البيوت محرضا الأمة على القيام ضد داود وخاصة القادة ذوي الإتجاه الإسلامي أو الذي لم يعهد منهم عداء لهذا الدين أو لأبناء الحركة الإسلامية. وحمل المهندس حكمتيار راية الكفاح المسلح بعد أن اعتقل الأمين العام للحركة الإسلامية المهندس حبيب الرحمن, ونظم حكمتيار مجموعات تقوم بالهجوم على مرافق الدولة لتشل حركتها وتربك مسيرتها فنظم مجموعة توجهت نحو بدخشان أميرها "د. محمد عمر وأخرى إلى لغمان تحت إمرة مولوي حبيب الرحمن وثالثة بإمرة أحمد شاه مسعود إلى بنجشير, وكان حفيظ الله وأخوه صفي الله ضمن جنود أحمد شاه حين استولى على مديرية بنجشير وبقي فيها ثلاثة أيام يديرها, واستشهد حفيظ الله أفضلي في (92/ 6/5791م) , وكان صفي الله آنذاك في الحادية والعشرين من عمره, ولكنه رضع لبان الدعوة الإسلامية منذ نعومة أظفاره إذ انضم إلى الحركة الإسلامية وعمره (71) عاما, عشق العلياء وكانت الرجولة مع الإباء مما نهله من بيتهم وهو يحاول أن يتأسى خطى أخيه الشهيد الراحل, وواصل صفي الله مسيرة البيت الجهادية وجادته التربوية البناءه, فقد تخرج من جامعة كابل- كلية العلوم, ثم حمل الراية التي بقيت مرفوعة بيده حتى خر شهيدا.
كارثة هرات:
وشهدت هرات المأساة المروعة في (51/ 3/9791م) أيام تراقي إذ انتفض الشعب بتحريض أبناء الحركة الإسلامية وكان لصفي الله القدح المعلى في القضية, ووقف الجيش بجانب الشعب المسلم في هرات ضد الحكومة الملحدة العميلة واستولى الجيش على جميع مرافق الدولة وطهر جميع مؤسساتها من الشيوعية وأذنابها ومنتفعيها وأقبل الشعب معبرا عن فرحته بهذا النصر المبين وأقبل الدب الأحمر بأساطيله البرية والجوية وحول الأرض إلى براكين من النيران المشتعلة وبقي يسحق هذه الجماهير المتجمعة حتى قتل في يوم واحد من أهل هرات (52) ألفا وعاش صفي الله الكارثة المزلزلة بأعصابه ودمه وصمم أن ينازل الطواغيت مهما جلت التضحيات وغلت الأثمان وأخذ الناس يتجمعون حوله وفاء لدم أخيه حفيظ الله ورمزا لعهدهم بإجلاء الذين ابتدأوا المسيرة وأرسوا أحجار الأساس لميثاق الدم الغالي, وقد عين الأستاذ رباني صفي الله قائدا لعدة جبهات في هرات وأطلق عليها اسم أخيه الشهيد حفيظ الله أفضلي وشارك في المسيرة أخوه (جكتوران) الرائد عزيز الله أفضلي الذي يكبر الإثنين سنا ولكن صفي الله كان محط أنظار أبناء الدعوة ووجهة حماتها ومجمع الشم العرانين من مجاهديها.
رأيتك لو لم يقتض الطعن في الوغى ... إليك انقيادا لاقتضته الشمائل
كريم متى استوهبت ما أنت راكب ... وقد لقحت حرب فإنك باذل
وسار صفي الله في هذا الطريق اللاحب الطويل لا يلتفت ولا يتردد والمجاهدون حطوا رحالهم عنده وألقوا بمقاليد الأمور بين يديه.
طبيعة هرات:
هرات مدينة أقيمة في سهل فسيح لا تجد فيها أكمة (تله) ولا أجمة (غابة) والحرب العوان (الشديدة) التي دارت رحاها خلال هذا العقد في أفغانستان تحتاج إلى الجبال الشم التي تؤوي المجاهدين وإلى الغابات الكثيفة التي تواريهم وتسترهم عن أعين الحاقدين والمارقين يتحركون بين أدغالها وأشجارها ولكن:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وفي داخل هرات يقيم قواعده ويبني مراكزه ينازل الروس صباح مساء ويتملك الإنسان العجب وهو يرى هؤلاء الأبطال يواجهون الشيوعية في ميدان فسيح وسهل مكشوف لاترى فيه عوجا ولا أمتا.
وكنت وما زلت لاينقضي عجبي من استمرار الجهاد في مناطق الصحارى وخاصة هرات وقندهار وقد شهدت هاتان المنطقتان عبر السنين العشر العجاف أشرس المعارك وأشد المواجهات وأقول دائما: (لكم الله أيها