ففزت بها وربحت البيع -إن شاء الله- يا يحيى, وبدأ الدم الزكي يتدفق وما بقي أحد ممن مس جسدك أو تضمخ بقطرة من دمك إلا والمسك يعبق في أنفه, حتى صار كل من حضر جنازتك يتساءل لم نشهد في حياتنا ولم نشم رائحة أزكى ولا أطيب من هذه0
حدثني أبو الحسن المقدسي قائلا: لقد شممت أنا وأبو معاذ دم الشهيد على بعد خمسمائة متر وهو في السيارة التي تقله نحو مثواه الأخير, إلى الحضرة التي سعدت بضم جسده الطاهر والتي نرجو أن تكون روضة من رياض الجنة0
وحدث الدكتور أحمد قائلا: لقد تلقيت كثيرا من الشهداء فما شممت رائحة أطيب, ولا أزكى من هذه الرائحة, وحدثني الدكتور أبو محمد: لقد دخلت الغرفة التي سجي فيها يحيى في المستشفى بعد ثلاثة أيام وإذا رائحة المسك تنبعث في أرجائها, وحدثني أبو حمزة قائلا: لقد بادرتني زوجتي بعد عودتي من الجنازة أي عطر هذا الذي نشمه لقد بلغت عزاء لا يقرع الدهر مروءته ولا يفصم عروته, لا ينقص مرته, ولم تلن قناتك لغامز, وأبيت أن تستباح الذمار أو يوطأ الحمى أو تداس الحوزة, فلم تصبر علي خسف ولم تقم علي مذلة لقد أقبلت على الله رابط الجأش ثبت الجنان صلب العود شديد الشكيمة0
لقد كنت تحب وردك (ولاية في أفغانستان) لأنك طفتها بكاملها! ولم تدع مستقرا للمجاهدين فيها أو تجمع لهم إلا ودخلته وتعرفت عليه, ونقلت حاجاتهم وضروراتهم من أجل سد نقصهم وخلتهم, ولذا كنت تطلق على نفسك عبد الرحمن عبد الكبير الوردكي0
وهكذا وبلمح البصر مضى يحيى إلى ربه نرجو الله يقر عينه بمقعد صدق عند مليك مقتدر0
لم تكن أيامك طويلة بيننا يا ابن العشرين عاما , ومضت روحك لتترك في الدنيا مجدا وعزا مؤثلا ولسان صدق فوق هذه الأرض ونرجو الله أن يكون حبورك وسرورك أعظم بلقائك مع الملأ الأعلى0
وندعو الله عز وجل أن يحيينا سعداء ويميتنا شهداء, وأن يحشرنا في حضرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم, وندعو الله عز وجل أن يعوضنا عنك خيرا وأن يجعل أمك وأباك وإخوانك يحتسبوك عند خالقهم, ونبتهل إليه تعالى أن تكون شفيعا لهم يوم القيامة000
وختاما نردد الذكر الحكيم نديا: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) 0
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك0
أخوك أبو محمد
الرسالة الأخيرة من الشهيد يحيى سنيور:
المجاهد المسلم يعرف هدفه جيدا , ولذلك تراه يسير على بصيرة من أمره, و يمشي بخطى ثابتة لا يعرف التراجع00 و لا يعبأ بالمحن و العقبات بل يجد فيها غاية راحته لأنها في سبيل الله: ومن يقف آثار النبيين لم يسل على الشوك يمشي أم على الشفرات
و الرسالة الأخيرة التي خطها الشهيد الحي لأهله أكبر دليل على صدق ما ذهبنا إليه, فاستمع إليه و هو يقول: (أنا هنا00 رغم الطائرات, رغم الدبابات, رغم القصف المستمر ليلا ونهارا , ورغم البرد الشديد, ورغم الجوع, إلا أني في قمة السعادة وراحة الضمير, لأني أشعر أني أفعل أحب الأعمال إلى الله, وأن الله لا يضيع أجر العاملين, وهذا الجهاد هو الوحيد الذي يستطيع به الإنسان أن يقدم أعمالا ترضي الله وترجع لهذه الأمة أمجادها) 0
بوابة المجد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا وبعد0