تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجزائر من وراء البحار, وذات يوم ترامت إلى مسامعه أخبار الجهاد الأفغاني وحكمه الشرعي بأنه فرض عين, فعمل هذا الشريط في نفسه عمله وأصبح يتقلب على مثل شوك الغضى, فأقض عليه مضجعه وأرق له أجفانه وصار لسان حاله يردد:

أبرحت يامرض الجنون بممرض ... مرض الطبيب له وعيد الع و د

وكان لابد من التفكير بوسيلة لي لحق بجسمه روح ه التي سبقته لترتوي من نهر كابل أو هلمند أو هاري رود.

وبدأ يتردد على أبواب السفارة الباكستانية ويطرق أعتابها ويقرع أبوابها فما وجد إلا صدا وما استمع منها إلا ردا.

التضرع في الأسحار: وذات ليلة قامها وابتهل إلى الله أن ييسر سبيله وأن يلبي رغبته, فيسر الله له التأشيرة وما كاد يصدق أنه قد نالها ولو فطن قلبه لقال (حلما أرى أم ذاك طيف خيال).

لم يعد عنده أي صبر على الإنتظار فطار إلى أفغانستان بجناحي روحه قبل أن تحرك الطائرة التي تقله جناحيها.

ولدى وصوله توجه إلى معسكرات الإعداد والتدريب والتوجيه.

التنقل بين الجبهات: وبعد أن أتم تدريبه أخذ يزاول الجهاد ويتنقل بين الجبهات وينتقي أسخنها وأشدها التهابا ثم يرجع إلى بيشاور يلتقط أنفاسه ثم يعاوده الحنين إلى مواطن الشهادة وتستحثه شهادة إخوانه السابقين لمواصلة الطريق.

هوة أنقذه الله منها: وذات يوم التقى به نفر من الشباب الذين التبس عليهم أمر الجهاد وأصبحوا يتحدثون بما يهز العزائم ويثبط الهمم فتأثر أبو دجانة بهم وأظلمت صورة الجهاد في نفسه ودخل الشيطان في مساربه يسو ل له العودة إلى الجزائر, فساق الله له أحد الشباب الناضجين الذين كشف الله عن بصيرتهم وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم, (نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا) ووضح له حقيقة الجهاد وحكمه الشرعي وأن المشاكل التي تعترض المجاهد على الطريق هي جزء أساسي في هذه المسيرة المضنية لا تنفك عنها لأن البلاء ملازم لطريق الأنبياء -عليهم السلام- والصديقين والصالحين (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل).

العهد الجديد:

وهنا عاهد أخاه الذي أجلى الشك من نفسه والريب عن قلبه أن ينزل إلى جلال آباد ولا يرجع منها قبل أن يتم السنة, وهناك وفوق جبل قباء بنى عناية عشه الذي كان بعد فترة نعشه, وذات يوم جاءته قذيفته التي تحمل معها منيته وسار أبودجانة إلى الله ونجاه الله من التولي يوم الزحف (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار).

ومضى كأنه يعلم الأجيال قائلا:

دع المداد وسطر بالدم القاني ... وأسكت الفم واخطب بالفم الثاني

فم المدافع في صد العداة له ... من البلاغة ما يزري بسحبان

الشهيد ضرار عيسى موسى الشيشاني (محمد منصور):

(ضرار ولا خالد له).

ولد في الأزرق -قرية في صحراء بادية الشام- فتفتحت عيناه وترعرت نفسه مع عزة الصحراء وانطلقت نفسه مع الحرية التي يعبر عنها امتدادها وسعتها

إنما الإسلام في الصحرا امتهد ... ليكون كل مسلم أسد

رباه والده على الأنفة والإباء ويذكر لي قصصا في صغره تعب ر عن نفسية الشموخ التي ترفض الذل وتأبى الهوان.

ما كان يغيب عن قلبه أنه ينتمي إلى قفقاسيا فقد رحل أجداده من هناك وقاتلوا مع الشيخ شامل الداغستاني وكان يحلم أن ينتقم من أولئك الذين ألقوا بمئات الألوف من أبناء قفقاسيا في منافي سيبريا يموتون جوعا وبردا , ولقد حدثني بعض هؤلاء أن آباءهم وأجدادهم في أيام ستالين قد وضعوا في المنافي دون طعام فكانوا يأكلون أولادهم الذين يموتون قبلهم.

لقد كان الروس يدركون أن هذا العرق شرس في حروبه ولا يمكنهم أن يخضعوا لأعدائهم بسهولة حتى قال الجنرال الروسي ولعله بافلوف (لقد كلفنا القتال مع الشيخ شامل من الخسائر ما يكفي لفتح البلدان الواقعة بين مصر واليابان).

فكانت الأحلام التي تراود ضرارا أن يستعيد هذا المجد المؤثل والعز الضائع ولعل والده قد سماه ضرارا تأسيا بضرار بن الأزور بطل الفتوحات الشامية.

في الكلية العسكرية: وتوجه هذا الشاب إلى الكلية العسكرية في الجيش الأردني ودخلها ليكون الطريق الحقيقي لإشباع طموحه وتحقيق تطلعاته, وتخرج من الكلية العسكرية ضابطا في قسم الهندسة وبدأ يخدم في الجيش وقد عرف في شبابه باستقامته ونظافة سلوكه, وصار يربى مجموعات من الشباب الشيشاني على الإسلام وعلى السير على هدي المصطفى ص.

عشاق الحور · الصفحة ١٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عشاق الحورص ١٥٦