باهظة فهل لك طاقة بدفع عد لها?رويدك يا ابنة المجد ويا وريثة السؤدد فالطريق طويلة والأثمان غالية والتكاليف عزيزة.
لا جرم أنك تعتبرين شهادة أبنائك مفخرة لك في سجل الخلود وترتلين مع السابقين واللاحقين: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) وكأنك تحدين مع المنشدين لحنا عذبا لكل فتى من أبنائك الذين تزفين إلى الحور:
كأنك بالفقر تبغي الغنى ... وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
واليوم نقف وقفة المودع لابن عزيز من أنجالك, هنا في أرض الفخار بين أطنان الحمم وبراكين النار, على مشارف قندهار إنه ليث خرج من عرين أكبر قبيلة يمنية من حاشد إنه جمال محمد ناصر ولقد انحدر من دوحة المجد ومن مركز حاشد من (خمر) بلد الشيخ عبد الله الأحمروقد أقبل مودعا الدعة, تاركا النعيم والرفاهية.
وحين أقبل على معسكر التدريب, كان النشاط سمة بازرة له, ووجد مكانه بين إخوانه العرب في مأسدة الأنصار, وهناك الشباب الذين يتوافدون إلى الوغى كأنهم في أعراسهم:
فتدفقت جند العقيدة ... أنهرا ... في ... كل ساح
زهوا ... بألسنة الكفاح ... وبالبطولات ... الصحاح
وحداؤهم ... قرآن ... عنوان الهداية والفلاح
قالوا لئن شح ... العطاء ... فنحن للدين ... الأضاحي
وهناك يطيب المقام, ومعالم أجداثهم, وشذى قصصهم والأنوارالتي لا زالت تخرج من قبورهم, تبعث في النفوس أشجانها. وتنكأ في القلوب جراحها, فهذا رمس (قبر) أبي حفص الأردني وذا قبر أحمد الزهراني, وهناك قبر هشام الديلمي, وذاك جدث زكريا أبي هنود. بالأمس كانوا بيننا واليوم عند ربهم -ونحسبهم ولانزكي على الله أحدا - شهداء يرزقون.
كان جادا في الجهاد: ويوصي إخوانه بالصلاة على المذهب الحنفي حتى يتسنى لهم الجهاد مع الأفغان الذين يتحسسون من مخالفتهم بسبب أميتهم (ويا قومي مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار).
رجع أبو دجانة ليؤدي فريضة الحج ولزيارة أهله في السعودية, وبدأت الإغراءات من أجل الإخلاد إلى الأرض, والارتباط بحطامها, وليس بين أيدي أهله ورقة أشد إغراء وأكثر بريقا من الزواج, وبينما كانت الخطط تحاك, والمكائد تحبك, احتال عليهم بأنه يود زيارة الرياض, وحزم حقيبة سفره ويمم شطر باكستان. وفيها يبث أشجانه لإخوانه قائلا: فررت من نساء الدنيا إلى الحور العين.
الطريق إلى قندهار: ووصل بيشاور فسأله صديقه أبو الجود أين وجهتك ياأبا دجانة فأجاب إلى كابل, فعرض عليه أبو الجود أن يذهبا سويا إلى قندهار ملاجات حيث القائد ملا عبد الغني من الإتحاد.
الإستهام إلى المعركة: وفي قندهار حيث يتسابق الشباب إلى الموت, فاستهموا ليأخذوا بعض الشباب العربي ولم يكن من نصيبه وتألم أبو دجانة, وبعد ثلاثة أيام جرى استهام آخر فكان نصيبه الخروج إلى المركز المتقدم وعند انتهاء مدته استأذن القائد أن يبقى فأبى عليه إلا الرجوع.
فانتقل إلى قائد آخر ملا عبد الرزاق حيث الإحتكاك بالأعداء أشد والمسافة أقرب, والموت أدنى من شراك النعل, وفي الملعب وعلى مقربة من مطار قندهار ربض هذا الليث.
الوسام الأول: شارك جمال في بعضها وجرح في بعضها خله أبو عز الدين وبعد يومين كلم جمال محمد ناصر كلمه الأول حيث أصابته شظايا قذيفة هاون أولاها في جبهته وأخرى قد استقرت في ظهره وبعض شظاياها في ظهر يده اليمنى. وفي الحديث الصحيح ما من مجروح يجرح في سبيل الله -والله أعلم بمن يجرح في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه كهيئته يوم جرح, اللون لون الدم والريح ريح المسك.
الرحلة الأبدية: وعاد إلى كويتا, وفي اليوم التالي سار إلى قندهار, وحمل مدفعه القاذف الصاروخي ( RPG), وفي ملاجات حي من أحياء قندهار, يلاقي جمال عدوه وتدور رحى الحرب فيطلق صاروخه فيرد عليه العدو بكرينوف وكانت قد أصابته طلقة في جبينه فخر شهيدا ولم ا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره.
وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا الس مر
ومضى جمال إلى الله ولكننا لانقول كما قال الشاعر وما مات حتى مات بل نقول كما يقول ربنا (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات. بل أحياء ولكن لاتشعرون).
إنهم أحياء بذكرهم, وأحياء يمدون نبتة هذا الدين بالحياة, ويروونها بالدماء, ويغذونها بالأشلاء. وأي حياة أعظم من حياة المبادئ والأفكار والعقائد والقيم وهذه لايمكنها الإستمرار بدون شلال الدم المدرار.