العاشرة روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال:
" أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلبن فشرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أكل أحدكم طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه. وإذا سقي لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي عن الطعام والشراب إلا اللبن "
قال علماؤنا: فكيف لا يكون ذلك وهو أول ما يغتذي به الإنسان وتنمي به الجثث والأبدان، فهو قوت خلي عن المفاسد به قوام الأجسام، وقد جعله الله تعالى علامة لجبريل على هداية هذه الأمة التي هي خير الأمم أمة فقال في الصحيح:
" فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال لي جبريل اخترت الفطرة أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك "
ثم إن في الدعاء بالزيادة منه علامة الخصب وظهور الخيرات وكثرة البركات فهو مبارك كله.
16.67
فيه مسألتان: الأولى قوله تعالى: ﴿ ومن ثمرات النخيل ﴾ قال الطبري: التقدير ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون فحذف «ما» ودل على حذفه قوله: «منه». وقيل: المحذوف شيء، والأمر قريب. وقيل: معنى «منه» أي من المذكور، فلا يكون في الكلام حذف وهو أولى. ويجوز أن يكون قوله: «ومن ثمرات» عطفا على «الأنعام» أي ولكم من ثمرات النخيل والأعناب عبرة. ويجوز أن يكون معطوفا على «مما» أي ونسقيكم أيضا مشروبات من ثمرات. الثانية قوله تعالى: ﴿ سكرا ﴾ السكر ما يسكر هذا هو المشهور في اللغة. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر. وأراد بالسكر الخمر، وبالرزق الحسن جميع ما يؤكل ويشرب حلالا من هاتين الشجرتين. وقال بهذا القول ابن جبير والنخعي والشعبي وأبو ثور. وقد قيل: إن السكر الخل بلغة الحبشة، والرزق الحسن الطعام. وقيل: السكر العصير الحلو الحلال، وسمي سكرا لأنه قد يصير مسكرا إذا بقي، فإذا بلغ الإسكار حرم. قال ابن العربي: «أسد هذه الأقوال قول ابن عباس، ويخرج ذلك على أحد معنيين، إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن يكون المعنى: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم، وما أحل لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم. والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر فتكون منسوخة فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء، وتحريم الخمر مدني». قلت: فعلى أن السكر الخل أو العصير الحلو لا نسخ، وتكون الآية محكمة وهو حسن. قال ابن عباس: الحبشة يسمون الخل السكر، إلا أن الجمهور على أن السكر الخمر، منهم ابن مسعود وابن عمر وأبو رزين والحسن ومجاهد وابن أبي ليلى والكلبي وغيرهم ممن تقدم ذكرهم، كلهم قالوا: السكر ما حرمه الله من ثمرتيهما. وكذا قال أهل اللغة: السكر اسم للخمر وما يسكر، وأنشدوا:
بئس الصحاة وبئس الشرب شربهم
إذا جرى فيهم المزاء والسكر
والرزق الحسن: ما أحله الله من ثمرتيهما. وقيل: إن قوله «تتخذون منه سكرا» خبر معناه الاستفهام بمعنى الإنكار أي أتتخذون منه سكرا وتدعون رزقا حسنا الخل والزبيب والتمر كقوله: ﴿ فهم الخالدون ﴾ أي أفهم الخالدون. والله أعلم. وقال أبو عبيدة: السكر الطعم، يقال: هذا سكر لك أي طعم. وأنشد:
جعلت عيب الأكرمين سكرا
أي جعلت ذمهم طعما. وهذا اختيار الطبري أن السكر ما يطعم من الطعام وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، فاللفظ مختلف والمعنى واحد مثل
إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله
[يوسف:86] وهذا حسن ولا نسخ، إلا أن الزجاج قال: قول أبي عبيدة هذا لا يعرف، وأهل التفسير على خلافه، ولا حجة له في البيت الذي أنشده لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمر بعيوب الناس.
وقال الحنفيون: المراد بقوله: «سكرا» ما لا يسكر من الأنبذة والدليل عليه أن الله سبحانه وتعالى امتن على عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم، فيكون ذلك دليلا على جواز شرب ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز، وعضدوا هذا من السنة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: