ومعنى قوله ﴿ إلا ما شآء الله ﴾ هو استثناء لبيان إرادة الله المطلقة التي لا يقيدها شيء، إذ لو شاء أن يخرجهم من النار لأخرجهم أي ليس هو بعاجز عن ذلك، ومن الجائز أن يكون هذا الاستثناء المراد به من كان منهم من أهل التوحيد ودخل النار بالفسق والفجور وكبير الذنوب بإغواء الشياطين له فإنه يخرج من النار بإيمانه، ويكون معنى (ما) (من) أي إلا من شاء الله. والله أعلم بمراده، وقوله في ختام الآية، ﴿ إن ربك حكيم عليم ﴾ ، ومن مظاهر حكمته وعلمه إدخال أهل الكفر والمعاصي النار أجمعين الإنس والجن سواء.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
1- بيان سنة الله تعالى في الهداية والإضلال.
2- بيان صعوبة وشدة ما يعاني الكافر إذا عرض عليه الإيمان.
3- القلوب الكافرة يلقى فيها كل ما لا خير فيه من الشهوات والشبهات وتكون مقرا للشيطان.
4- فضيلة الذكر المنتج للتذكر الذي هو الإتعاظ فالعمل.
5- ثبوت التعاون بين أخباث الإنس والجن على الشر والفساد.
6- إرادة الله مطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فلا يؤثر فيها شيء.
6.129-132
شرح الكلمات:
نولي بعض الظالمين بعضا: أي نجعل بعضهم أولياء بعض بجامع كسبهم الشر والفساد.
بما كانوا يكسبون: أي من الظلم والشر والفساد.
ألم يأتكم رسل منكم: الإستفهام للتوبيخ والرسل جمع رسول من أوحى الله تعالى إليه شرعه وأمره بإبلاغه للناس، هذا من الإنس أما من الجن فهم من يتلقون عن الرسل من الإنس ويبلغون ذلك إخوانهم من الجن، ويقال لهم النذر.
يقصون عليكم آياتي: يخبرونكم بما فيها من الحجج متتبعين ذلك حتى لا يتركوا شيئا إلا بلغوكم إياه وعرفوكم به.
وينذرونكم لقاء يومكم: اي يخوفونكم بما في يومكم هذا وهو يوم القيامة من العذاب والشقاء.
وأهلها غافلون: لم تبلغهم دعوة تعرفهم بربهم وطاعته، وما لهم عليها من جزاء.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿ وكذلك نولي بعض الظلمين بعضا بما كانوا يكسبون ﴾ إخبار منه تعالى بسنته في أهل الظلم وهي أن يجعل بعضهم أولياء بعض بمعنى يتولاه بالنصرة والمودة بسبب الكسب السيء الذي يكسبونه على نحو موالاة شياطين الإنس للجن فالجامع بينهم الخبث والشر وهؤلاء الجامع بينهم الظلم والعدوان، ولا مانع من حمل هذا اللفظ على تسليط الظالمين بعضهم على بعض على حد: ولا ظالم إلا سيبتلى بأظلم. كما أنه تعالى سيوالي يوم القيامة إدخالهم النار فريقا بعد فريق وكل هذا حق وصالح لدلالة اللفظ عليه.
وقوله تعالى: ﴿ يمعشر الجن والإنس ﴾ إخبار منه تعالى بأنه يوم القيامة ينادي الجن والإنس موبخا لهم فيقول: ﴿ ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا ﴾ أي ألم يأتكم رسل من جنسكم تفهمون عنهم ويفهمون عنكم ﴿ يقصون عليكم آياتي ﴾ أي يتلونها عليكم ويخبرونكم بما تحمله آياتي من حجج وبراهين لتؤمنوا بي وتعبدوني وحدي دون سائر مخلوقاتي، وينذرونكم أي يخوفونكم، لقاء يومكم هذا الذي أنتم الآن فيه وهو ويوم القيامة والعرض على الله تعالى. وما يتم فيه من جزاء على الأعمال خيرها وشرها، وأن الكافرين هم أصحاب النار. فأجابوا قائلين: شهدنا على أنفسنا - وقد سبق أن غرتهم الحياة الدنيا فواصلوا الكفر والفسق والظلم - ﴿ وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴾.
هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى والثانية أما الثالثة [131] فقد تضمنت الإشارة إلى علة إرسال الرسل إلى الإنس والجن إذ قال تعالى ﴿ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون ﴾ أي ذلك الإرسال كان لأجل أنه تعالى لم يكن من شأنه ولا مقتضى حكمته أنه يهلك أهل القرى بظلم منه وما ربك بظلام للعبيد ولا بظلم منه وهو الشرك والمعاصي وأهلها غافلون لم يؤمروا ولم ينهوا، ولم يعلموا بعاقبة الظلم وما يحل بأهله من عذاب.