إذا تجلى الله على قلبك فأنت من أسعد الناس ، وإذا حجبك الله عنه فأنت من أشقى الناس، إن أردت السعادة ، إن أردت السلامة ليس من طريق إلى السلامة والسعادة إلا أن تكون مع الله ، لأن إذا كنت مع الله كان الله معك ، وكن مع الله تر الله معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ، فلذلك : [إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا] ، شديد الخوف شديد الجزع، لا يحتمل مرضاً ولا فقراً ، ولا سجناً ، ولا إهانةً ، ولا فقد ولد ، ولا فقد زوجة ، [إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا] ، هذا طبع فيه ، الأصل في طبع الإنسان أنه حريص على ما في يديه ، والتكليف أن تنفق ، ولا بد من تناقض بين التكليف وبين الطبع ، وهذا التناقض بين التكليف وبين الطبع هو ثمن الجنة ، وما سمي التكليف تكليفاً إلا لأنه ذو كلفة، شيء مكلف ، يعني في معاكسة للطبع ، وما دام الموضوع قد طرق فلابد من تكملة له ، التكليف يتوافق مع الفطرة ، ويتناقض مع الطبع ، والفطرة أقرب إلى النفس ، والطبع أقرب إلى الجسد ، وأوضح مثل إنك إذا صليت الفجر في وقته ، وقد تكون قد أويت إلى الفراش الساعة الثالثة صباحاً تنام ساعة ونصفًا ، أو ساعتين ، وتستيقظ لصلاة الفجر ، إنك تعاكس رغبتك في النوم ، إنك تعاكس رغبتك في أن تبقى في الفراش ، ولكنك بعد أن تستيقظ ، وتتوضأ ، وتصلي، ثم تأوي إلى فراشك ترتاح نفسك ، أتعبك جسدك ، وارتاحت نفسك ، فأداء الصلاة في وقتها يتعب الجسد أحياناً ، ويريح النفس ، دائماً فكل شيء من أمر الله ونهيه يتوافق مع الفطرة ، وكل أمر ونهي يتناقض مع الطبع ، وهذا هو جهاد النفس والهوى ، وهذه هي الطاعة ، وهذه الجنة يدفع المؤمن ثمنها حينما يضع رغبته تحت قدمه وينصاع لأمر الله ، فلذلك الإنسان في أصل بنيته يحرص على ما في يديه ، لكن حرص معتدل ، أما البخيل في عنده حالة مرضية ، حالة حادة ، من الحرص ، البخيل إنسان مريض ،
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٥١٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٥١٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي