تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحرص على ما بيديه ، هذا هو المنوع ، لا ينفق ، فإذا انفق عاكس فطرته ، فإذا عاكس فطرته ارتقى إلى ربه ، لو أن الدنيا ليست غالية على الإنسان لما ارتقى بإنفاقها ، لو أن المال ليس أسيراً عند الإنسان لما ارتقى بإنفاقه ، [إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا] ، يعني لا سمح الله ولا قدر ، ووقانا وإياكم جميعاً من مرض عضال ، إذا لاح شبح مرض عضال تنهار قوى الإنسان ، ليس أمامه إلا الصلاة ، والله أيها الإخوة عشرات ، بل مئات من الناس الشاردين حينما لاح لهم شبح مصيبة كبيرة التجؤوا إلى الله عز وجل ، والله عز وجل يداوي ، ودواؤه مر أحياناً ، فإذا كان الإنسان شاردًا وسائحًا ولاهيًا وغافلا فإن الله عنده أدوية تدع الحليم حيران ، فلذلك البطولة أن تأتيه طائعاً ، فإما أن تأتيه طائعاً مختاراً خائفاً منيباً ، أو يحملك أن تأتيه طائعاً تائباً مختاراً ، وخلق ضعيفا .

حدثني أخ مضيف في طائرة دخلت في غيمة مكهربة ، فتلفت مقدمتها ، وكانت على وشك السقوط، وبينها وبين السقوط وموت جميع الركاب دقائق ، لكن الله بحكمته ورحمته نجا ركاب هذه الطائرة ، فهذا الأخ كان مضيفاً في هذه الرحلة ، قال لي : المنظر لا يصدق ، أناس يضربون وجوههم ، يمزقون ثيابهم ، يصرخون بويلهم ، لأن الموت صار محققًا ، فالطيار طلب من المضيفين أن يهدؤوا الركاب ، فلا أحد ينتبه ، ولا أحد يسمع ، وهم في ضجيج ، وفي ذعر ، وفي هلع ، وفي خوف ، وفي شدة ، أحد المضيفين رأى راكباً هادئاً فتوسم فيه الخير ، فتوجه إليه كي يطلب منه أن يهدئ الركاب فوجده مغمى عليه ، هذا الوحيد ،

بالهلع تتوب ، وبالحرص على ما بيديك ترقى إذا أنفقته ، والمال محبب ، وإنفاقه يحتاج إلى إرادة قوية ، والإنسان يرقى بإنفاق المال ، والوقت ثمين فارقَ بإنفاق الوقت ، والجاه غالٍ فارق بإنفاق جاهك ، إذاً :

( سورة الأنبياء الآية : 37 ) .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٣٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٣٨١