لكن أحياناً ، وكلمة أحياناً أقصد بها حقيقة توحيدية ، الرحم ينقبض ، ولا يسمح للجنين أن يخرج ، نقول : عضل الرحم ، فلابد من عملية قيسرية ، لابد من إخراج الجنين من خاصرة أمه، لو أن الله جل جلاله جعل الأسباب مترافقة مع النتائج إلى أبد الآبدين لما عرفنا الله ، ولكانت الأسباب والنتائج شيئًا تافهًا ، لأنها رتبية ، لكن مع أن هذا الجسم مبني على نظام دقيقٍ دقيق لكن ما كل سبب في الجسم يفضي إلى نتيجة ، وما كل نتيجة لها سبب ، فكأن الله جعل الأسباب نظاماً للكون كي تنتظم حياتنا ، بل جعل في الأعم الأغلب أن هذه الأسباب مترافقة مع النتائج ، لكن أحياناً هذا الرحم لا يدفع الجنين إلى خارجه ، صار هناك عضلة ، العضل هو عضلة الرحم تكف عن التقلص ، ولابد حينئذ من عملية قيسرية ، هؤلاء الذين عبدوا الأسباب والنتائج تخيب آمالهم أحياناً ، وقد نستفيد من هذا في معركتنا مع العدو ، الكفار أخذوا بكل الأسباب ، لكن أحياناً يفاجئون بمعطيات لم تكن في حسبانهم أبداً ، أين أسبابهم ؟ فلذلك يأخذ المؤمن بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ويتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، الفرق الكبير بين الغرب المشرك والشرق العاصي أن الغرب المشرك أخذ بالأسباب أيما أخذ ، واعتمد عليها ، وألهها ، فأتاه الله من حيث لا يحتسب ، والشرق لم يأخذ بها كسلاً وجهلاً وتهاوناً فوقع في المعصية ، الرحم مع أن له نظاماً دقيقاً جداً هو أنه في بدء المخاض يتقلص ، لكن أحياناً لا يتقلص ، من أجل أن تكون متعلقاً لا بالأسباب ، بل بمسبب الأسباب ، كي لا تكون متعلقاً لا بالأشياء المادية ، بل بخالقها ، وكأن هذه الاستثناءات التي لا تأخذ الأسباب مجراها ، وتعطل فيها الأسباب ، أو تلغى من أجل أن يلفتك الله إلى ذاته ، يا عبدي لا تعبد الأسباب ، واعبد خالق الأسباب ، فالعضل هو المنع والكف ، فعضلة الرحم تعضل ، أي تكف عن دفعه إلى الخارج فلابد من عملية قيسرية .
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٣٢٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٣٢٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي