لهذه الآية معنيان : المعنى الأول : أن الإنسان إن لم يكن يعلم أن هذا معصية ، أو هذه معصية فتوبته سهلة جداً ، حتى إن بعض الفقهاء من أحكامهم الدقيقة أن الذي يسمى حديثَ عهد بالإسلام لو أنه أفطر في رمضان بغير سبب الطعام والشراب ، بل بسبب آخر ، ولا يعلم أن هذا محرم في أثناء الصيام فلا شيء عليه ، القضية إن لم تكن تعلم أن هذا ذنب فالتوبة منه هينة جداً ، وكلما ازداد علمك بهذا الذنب تصعب التوبة شيئاً فشيئاً ، وكلما كررت الذنب تصعب التوبة منه شيئاً فشيئاً ، التوبة تصعب حينما تعلم أنه ذنب ، وحينما تكرر هذا الذنب ، والتوبة تسهل حينما تجهل أن هذا ذنب ، أو تتوب سريعاً من هذا الذنب ، فذلك يقول الله عز وجل :
هناك ملمح دقيق في الآية : ما من إنسان على وجه الأرض إلا إذا عصى عُدّ عند الله جاهلاً ، لو كان يعلم لما عصى ، لو علم أثر الذنب في حجبه عن الله ، أو في بُعده عن منهج الله، أو في انقطاع صلته بالله ، في ظلام قلبه ، في اسوداد وجهه ، في خطأ سلوكه ، في ردود أفعاله القاسية ، هذه كلها آثار الذنب ، حتى لو تعلم أنه بينك وبين إنسان علاقة طيبة جداً ، وكلاكما مؤمن ، هذه العلاقة لا تفسد إلا بذنب يصيبه أحدهما ، أو كلاهما ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا)) .
(مسند أحمد)
بل إن العداوة والبغضاء التي يعاني منها المسلمون أشد المعاناة فيما بينهما، ويعاني منها المسلمون مع أعدائهم سببها البعد عن منهج الله .
(سورة المائدة)
لو تعلم أن الذنب سبب شقائك ، وحجابك ، وانقطاع صلتك ، وخطأ تفكيرك ، واضطراب سلوكك لما فعلت الذنب ، لا يفعل الذنب إلا جاهل ، هذا هو المعنى الآخر.
لولا أنهم تلبسوا بالجهل لما فعلوا السوء ، لما سيدنا يوسف قال :
(سورة يوسف)