تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبل أن تعصي ، قبل أن ترتكب الحرام ، قبل أن تأخذ ما ليس لك ، قبل أن تدلي بتصريح كاذب ، أو أن تحتال على إنسان ضعيف ، قبل أن تستغل ثقة الناس فيك ، في مهن راقية جداً ، لو فرضنا أنك تعمل في القضاء ، والموكل واثق ، تقول له : سوف أربح لك الدعوى ، فإن كنت موقناً يقيناً قطعياً أن القوانين ليست معك ، مع موكلك ، بل هي مع خصمك ، وأن هذه الدعوى خاسرة سلفاً ، لكنك أردت أن تبتز ماله إلى حين ، هل تنجو من عقاب الله ؟! هذا في مستوى المحاماة ، والطب، والهندسة ، والتعليم ، لو أوهمت أباً أن ابنه ضعيف ، ويحتاج إلى دروس خاصة ، وكسَّرت له في العلامات ، كي يضطر إلى أن يأخذ درساً خصوصياً ، هل تنجو من عقاب الله ؟! قد يغش الإنسان في البيع والشراء ، قد يقدم مواصفات عالية جداً لا يكشفها المشتري المحدود ، هل تنجو من عقاب الله ؟! قد تشتهي امرأة غيرك ، وتملأ عينيك من محاسنها ، وتظن أنك مستريح بهذا ، وأنك تحدثها ، هل تنجو من عقاب الله ؟!

أي إذا خدعت المؤمنين ، وصليت معهم ، خدعت المؤمنين ، وتحدثت بما يتحدثون ، إذا خدعت المؤمنين فأظهرت الورع ، وأنت لست كذلك ، فهل تنجو من عقاب الله ؟! هل تنجو من فضيحة يفضحك الله بها ؟!

اتقِ هذا الإله العظيم ، الذي يعلم السر وأخفى ، يعلم ما خفي عنك ، لا تخفى عليه خافية ، أضرب مثلا بسيطًا ، جاءت صديقة زوجتك ، والوقت شتاء ، وغرفة الضيوف باردة ، وغرفة الجلوس دافئة ، وقلت لزوجتك : تعاليْ مع هذه الصديقة إلى هذه الغرفة ، لأنها أكثر دفئًا من تلك الغرفة ، وأنت لا تريد هذا المعنى ، بل تريد شيئاً آخر ، الذي خلقك لا يعلم ذلك ؟! تريد أن تنظر إليها ، وأن تراها ، وأن تحدثها مثلاً ، فأدقُّ الخواطر يعلمها الله .

(سورة غافر)

أنت كطبيب متاح لك أن ترى جسم المرأة ، لكن لو أنها تشتكي من مكان ،ونظرت إلى مكان آخر لا تشتكي منه ، لا يعلم هذا إلا الله ، من الذي سيحاسبك ؟ الله جل جلاله .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٢٢١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٢٢١٠