وَإِنَّمَا الأَذَانُ عَلَى المَنَارَةِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنِ السَّائِبِ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: (فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ) (١) وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ ثَمَّ أَذَانًا ثَانِيًا؟
قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ يُقِيمُ، وَالإِقَامَةُ تُسَمَّى أَذَانًا (٢)، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ السَّائِبِ: (إِنَّ النِدَاءَ كَانَ أَوَّلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ وَإِذَا قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَنُ عُثْمَانَ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ …) (٣).
وَإِنَّمَا جَعَلَ التَّأْذِينَ فِي هَذَا الوَقْتِ لِيَعْرِفَ النَّاسُ جُلُوسَ الإِمَامِ، فَيُنْصِتُونَ لَهُ.
(وَالزَّوْرَاءُ): جِدَارٌ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقِيلَ: حَجَرٌ كَبِيرٌ.
وَمِنْ بَابِ: يُجِيبُ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ
فِيهِ (٤) دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ الكَلَامِ لِلْإِمَامِ عَلَى المِنْبَرِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الخُطْبَةِ.
(١) حديث (رقم: ٩١٢).
(٢) قلت: يدُلُّ عليه قَولُه ﷺ: (بَينَ كلِّ أَذَانَينِ صَلاةٌ) يقصد بيَن الأذَانِ والإقَامَة، أخرجه البخاري (رقم: ٦٢٤)، ومسلم (رقم: ٨٣٨) عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ الْمُزَنِي رضي الله عنه.
(٣) أخرجه الترمذي (رقم: ٥١٦)، وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٣٦)، والطبراني في المعجم الكبير (٧/ ١٤٧)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٩٢)، من طرقٍ عن ابن أَبِي ذِئْبٍ عَنْه به. وقَال الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(٤) حديث (رقم: ٩١٤).