والذين انتحلوا ضلالهم بمصر - وهم قليلون - أنكروا ذلك على شيخ الأزهر
فشايعهم بعض الكاتبين ورد عليهم آخرون، ورأينا أن أكثر الكاتبين لا يعلمون أن
الترجمة الإنكليزية الجديدة هي لمسيحية الهند القاديانية الذين يزعمون أن زعيمهم
(غلام أحمد القادياني) هو المسيح الذي ورد في الأحاديث نبأ نزوله قبيل قيام
الساعة , وأنه كان يوحى إليه من سخافات النثر والشعر ما يعدونه معجزة له , وما
هو إلا سخرية لمن يعقل من أهل اللغة العربية، وأن سورة الفاتحة تدل على
مسيحيته وعلى عدم انقطاع الوحي ببعثه خاتم النبيين، وأنه نسخ فريضة الجهاد
وما يتعلق بها من الأحكام خدمة للإنكليز، بل يزعمون أن الوحي لا يزال ينزل
على خلفائه من بعده، إلخ.
كما رأينا هؤلاء الكاتبين لا يعلمون شيئا يعتد به من أمر ملاحدة الترك
وعداوتهم للغة العربية وأهلها بغضا في الإسلام - وأنهم يريدون تحويل الشعب
التركي العريق فيه عنه - وأنهم ما ترجموا القرآن إلا ليتوسلوا به إلى ذلك.
فكل ما جاء به المجوزون للترجمة من غير الضالين ببدعة القاديانية المرتدين
قد أيدهم وأيد ملاحدة الترك من حيث لا يدرون، ولو دروا لكانوا من أشد الناس
إنكارا عليهم، فوقوعهم في فتنة تأييد المرتدين عن الإسلام يؤيد قول من عد معرفة
الناس من الأمور التي تعتبر في المفتي قاله: الإمام أحمد وغيره , وقال المحقق ابن
القيم في بيانه: إن معرفة الناس أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم , فإن لم
يكن فقيها فيه كان فقيها في الأمر والنهي , ثم يطبق أحدهما على الآخر وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح اه؛ وهؤلاء الذين تصدوا للإفتاء في هذه المسألة قد فقد
أكثرهم الفقهين وأقلهم أحدهما.
وأما النظريات التي استدلوا بها على جواز الترجمة بل على وجوبها كما
صرح به بعضهم , فأكثرها سخف وجهل فاضح، والذي يستحق أن يبحث فيه منها
هو مسألة الدعوة إلى الإسلام، وما يتعلق بها من أحكام، وسنذكر من ذلك ما لعله
لم يخطر لأحد من هؤلاء المفتين ببال.
وإنا لنعلم أن الترجمة الإنكليزية التي أشرنا إليها يقصد بها ما يقصده ملاحدة
الترك من ترجمتهم التركية , فإن القاديانية على بدعتهم التي أخرجتهم من جماعة
المسلمين لا يبيحون التعبد بغير اللغة العربية , بل قصدوا بها الدعوة إلى الإسلام
كما يفهمونه، وقد نشر الخوجة كمال الدين الهندي مدير المجلة الإسلامية التي
تصدر باللغة الإنكليزية في لندن (إسلاميك ريونو) لأجل الدعوة إلى الإسلام خطابا
يخبر فيه العالم الإسلامي بأنهم ترجموا القرآن بلسان الإنكليز , ويريدون طبعه
ونشره مع الأصل (أي القرآن العربي كلام الله) , ويطلب منهم المساعدة المالية
على ذلك , وعلى نشر المجلة، وقد نشرنا دعوته في الجزء العاشر من المجلد
السابع عشر (شوال سنة 1332) للمنار (ص793-795) , وعلقنا عليها تعليقة
وجيزة نصحنا له فيها بأن لا يطبع ترجمة القرآن التي نوه بها إلا بعد عرضها على
جماعة من كبراء العلماء في مصر أو الهند وإجازتهم إياها، وعللنا ذلك بقولنا: فإن
رسالته هذه تدل على ضعفه في اللغة العربية , فيخشى أن تكون ترجمته كثيرة
الغلط كغيرها، على أن ترجمة القرآن ترجمة تامة تؤدي من التأثير والمعاني ما
تؤديه عبارته العربية ضرب من المحال، وحسب من يترجم القرآن للأجانب أن
يأتيهم بتفسير مختصر سليم من الحشو، وإنما تقوم بذلك الجمعيات لا الأفراد اه.
وكان من غرضنا عرض الترجمة على جماعة من كبار العلماء لفتح باب
تحرير هذه المسألة، ثم علمنا أن خوجه كمال الدين ليس هو المترجم، ثم بلغنا أنه
ترك المسيحية القاديانية إلى الإسلام الخالص، وقد صرح في مصر بالبراءة منهم
قولا وكتابة , ولكنه لا يزال يعتمد على هذه الترجمة في الدعوة إلى الإسلام
كالقاديانية، وقد سبق لنا كتابة أخرى في تعذر ترجمة القرآن على جميع البشر