تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

<span class="footnote">

(*) كتب هذا التقريظ منذ أربعة أشهر.</span></span>

رجب - 1344ه

فبراير - 1926م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

الثورة السورية والحكومة الفرنسية

والتنازع بين الشرق والغرب

حدثت في أوائل الصيف من هذا العام الشمسي (1925م) ثورة في سورية

لم يسبق لها نظير، اقتدح زنادها زعماء دروز حوران، وتولى القيادة العامة لها

سلطان باشا الأطرش الشهير، وقد سبق لهم ثورة أخرى كان هو قائدها أيضا،

ولكنها كانت ثورة صغيرة موضعية، وأما الثورة الأخيرة فهي ثورة سورية كبيرة،

لا يزال يمتد لهيبها ويتطاير شررها، ولم تكن قسوة السلطة العسكرية الفرنسية

وشدتها في مقاومتها إلا كمحاولة إطفاء النار بزيت البترول والبنزين والبارود، أي

لم تزدها إلا قوة واشتعالا، وقد أسرفت السلطة في القسوة حتى إنها دمرت المئات

من القرى والمزارع على رؤوس أهلها، وأطلقت المدافع وقذائف الطيارات على

الأحياء الإسلامية خاصة من دمشق، فتبرت أهم أحياء المدينة عمرانا وثروة وآثارا

قديمة، وقتلت عددا كثيرا من النساء والرجال والأطفال، وخرج كثير من

المخدرات من بيوتهن مع أطفالهن ما بين حافيات وناعلات هائمات على وجوههن،

وأجهض كثير من الحوامل، وجن من جن من العقائل، وفعلت السلطة نحوا من

ذلك في مدينة حماة التاريخية أيضا، فقتلت من قتلت، ثم عذبت من عذبت من

الأبرياء كما ثبت بمحاكمتهم في محكمة عسكرية فرنسية.

ليس من موضوع المنار استقصاء الحوادث التاريخية، ولا من دأبه الوصف

الشعري ولا المبالغة في تصوير حقوق أمته ومصالح قومه، أو هضم حقوق

خصومهم، ولا سيما إذا كان بالباطل، وإنما موضوعه الذي يعنى به قبل كل شيء

بيان الحقائق وفلسفتها ووجوه العبرة فيها، وبذل النصح لكل مستعد لقبوله، وتقرير

المعروف للترغيب فيه، وإنكار المنكر للزجر عنه، وإنني أذكر هنا من الحقائق ما

يعترف به المنصف وإن كان من خصومنا أنفسهم.

***

جناية رجال فرنسة على سورية وعليها

(1) إن ما عمله رجال فرنسة في سورية في بضع سنين قد حمل حكومتهم

نفقات باهظة تقدر ببضعة ألوف الملايين من الفرنكات، قيل: إنها لو قسمت على

هذه السنين لأصاب كل سنة قرابة ألف مليون، وخسرت به صيتها الأدبي وسمعتها

السياسية والإدارية، حتى إن أشد الناس كرها للترك وطعنا فيهم صار يرفعهم فوق

الفرنسيس درجات كثيرة.

وقد كان ما نشر من أنباء موبقاتهم في هذه المسألة من المقالات في الجرائد

وما نظم فيها من القصائد، مشوها لسيرة فرنسة في المشارق والمغارب، وهادم لما

شيدته لنفسها من حسن الصيت في عدة أجيال، أو من عهد ثورتها الكبرى إلى الآن،

تلك الثورة التي ثل شعبها فيه عرش ملوكهم الظالمين، وينكرون ما دونها على

السوريين، فهم يفخرون بمقاومة الفرنسي للظالم له ولو من قومه، ويذمون مقاومة

السوري لظالمه الأجنبي عنه! !

ولو كان ما فعلوه في سورية خيرا لهم وموافقا لمصلحتهم، لما كان لنا أن

نتكلم فيه معهم، ولكن ثبت به أن احتلال فرنسة لسورية كان شرا لسورية، وشرا

لحكومة فرنسة وشعبها جميعا، وأن حكومة فرنسا هي الظالمة لشعبها بما تحمله من

أعباء هذه النفقات الثقيلة في هذه السنين النحسات، وهي أحوج إليها في عسرتها

الحاضرة، وبما تحمله على سفك دمه فيما ليس له منه فائدة مادية ولا أدبية، بل

فيما فيه ضياع الفائدتين معا، وأما الظالم للحكومة الفرنسية نفسها في هذا وأمثاله فهم

الرجال الذين توليهم أمر البلاد، وتطلق لهم فيها العنان، فيعيثون فيها فسادا،

ويسمون إفسادهم إصلاحا، ويتخذون لهم شهداء من أنفسهم ومن صنائعهم وعمالهم

في البلاد، ومن المشاركين لهم في غنائمهم من أرباب رؤوس الأموال وأصحاب

الصحف ورجال الأحزاب في فرنسة، يكذبون على الحكومة، ويرونها الباطل حقا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٢٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٢٣٥