تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلمة

في فوائد كتابي المغني والشرح الكبير

يقول محمد رشيد رضا صاحب منار الإسلام:

كنت رأيت كلمة سلطان العلماء في عصره الشيخ عز الدين بن عبد السلام -

رحمه الله تعالى - في تفضيل كتابي المحلى لابن حزم والمغني للشيخ الموفق على

غيرهما من كتب الفقه الإسلامي قبل أن أراهما، فدعتني الرغبة في تعرف قيمة

هذه الشهادة إلى الاختلاف إلى خزانة الكتب الكبرى (المكتبة المصرية) مرارا؛

للنظر في الكتابين، وقرأت عدة مسائل من كل منهما، رأيتها كافية في معرفة قيمة

الشهادة وصحة الحكم، وعلمت أن العلماء الذين قالوا: إن ابن عبد السلام وصل

إلى رتبة الاجتهاد المطلق، لم يقولوا إلا الحق.

فأما كتاب (المحلى) فهو كتاب اجتهاد مطلق، وصاحبه أبو محمد بن حزم إمام

الظاهرية في عصره، وهو صاحب القلم السيال واللسان الفصيح والحجة الناهضة،

والعارضة التي تأبى المعارضة، ولولا سلاطة لسانه في الرد على مخالفيه من

أئمة أصحاب الرأي وأهل القياس لاتسع نطاق مذهبه، وكثر الانتفاع بالمحلى

وغيره من كتبه، فهو يذكر المسألة ويستدل عليها ويرد على المخالفين فيها

على قواعد الظاهرية من الأخذ بالنصوص المأثورة، أو البراءة الأصلية، ولكنه لا

يكتفي بمقارعتهم بالدليل، بل يرميهم بالجهل والتضليل، غير هياب لعلو أقدارهم،

ولا وجل من كثرة أتباعهم وأنصارهم، وإذا أراد الله تعالى أن يتجدد فقه الإسلام فلا

بد أن يعرف المجددون له من قدر كتابه ما عرف العز بن عبد السلام، ولا بد أن

يطبعوه في يوم من الأيام.

وأما (المغني) فصاحبه الموفق فقيه حنبلي، وهو مع ذلك محدث أثري، وقد

ألف عدة كتب في فقه الحنابلة، وأراد أن يكون كتابه المغني في فقه المسلمين كافة،

فهو يذكر أقوال علماء الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار المشهورين، كالأئمة

المتبوعين، ويحكي أدلة كل منهم، وإذا رجح مذهب الحنابلة في كثير من المسائل

فهو لا ينتقص غيرهم، ولا يحمله التعصب على كتمان شيء من أدلتهم، ولا على

تكلف الطعن فيها، كما يفعل أهل الجمود من المقلدين، فالمزية الأولى لكتاب

المغني أنه لخص لنا مذاهب فقهاء المسلمين المجتهدين بأدلتها في أمهات الأحكام

ومهمات المسائل؛ فأغناها عن مراجعة كتب المذاهب الكثيرة فيما نحتاج إلى

الوقوف عليه منها، وعن مراجعة كتب السنن والآثار لمعرفة أدلتها ومذاهب

الصحابة والتابعين ومسائل الإجماع والخلاف، على أن المصنفات التي تتوسع في

رواية هذه الآثار لم تطبع، ونسخها الخطية قليلة الوجود: كمصنفات ابن أبي شيبة

وعبد الرزاق وابن المنذر.

ومن المعلوم أن كتب فقه المذاهب المتبعة والخلاف منها ما لا تذكر فيه الأدلة،

ومنها ما يذكر فيها ما يؤيد مذاهب مصنفيها ويضعف المذاهب المخالفة لها، ولو

بضروب من التأويل والتحريف وتضعيف الأحاديث التي لا توافق مذهب المؤلف

وإن كانت صحيحة أو حسنة إن أمكن، وتقوية الأحاديث التي توافقه وإن كانت

ضعيفة أو السكوت عن نقل الطعن فيها، وصاحب المغني لا يتعمد مثل هذا، فهو

يرجح ما يعتقد رجحانه من أدلة الحنابلة، ولا يتكلف الطعن في أدلة من خالفهم،

ولولا هذا وذاك لما فضله ابن عبد السلام على كتب الشافعية وكان من أجل

علمائهم، وهي التي يشهد لها من لم يعرف من مزايا تحريرها ما يعرفه هو بأنها

فاقت كتب سائر المذاهب في دقة التحرير والاستدلال، والجزم بالصحيح من

الأقوال، وكان يعتمد على مراجعته في الفتوى إذ صار يفتي بالدليل ويسلك سبيل

الاجتهاد.

عرفت المغني، فتمنيت لو يسخر الله تعالى من يطبعه؛ ليعم نفعه الذي هو

عندي فوق ما كان عند العز بن عبد السلام، وكان صديقنا حسن باشا عاصم خادم

الأمة والملة - رحمه الله تعالى - يقول: إذا يسر الله لنا طبع كتاب (المحكم لابن

سيده) فإنني أموت آمنا على اللغة العربية أن تموت. ذلك لما سمعه من إمام

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٠٨