تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مواد المنار

تتزاحم المواد على المنار بتزاحم الأحداث والجوائب في العالم الإسلامي،

فتضيق صحائفه بها وبمواده الثابتة، فنضطر إلى ترك بعض ما بدأنا قبل إتمامه أو

تأخيره، كنا شرعنا في كتابة بحث طويل في مسألة ترجمة القرآن المجيد؛ لإقدام

الحكومة التركية على تنفيذ ما اقترحه بعض ملاحدتهم اللادينيين في أواخر عهد

الدولة العثمانية التي قضوا عليها، فما عتم أن فاجأنا اللادينيون في مصر بكتاب

(الإسلام وأصول الحكم) ، فصرفنا فضل وقتنا إلى السعي؛ لدمغ باطله، وإبطال

ضلالته، وإظهار ما انطوى عليه من الكفر الخفي والجلي، وتأليب علماء المسلمين

وعامتهم عليه، فكتبنا في ذلك عدة مقالات ضاق عنها المنار؛ فنشر بعضها في

جريدة اللواء وبعضها لما ينشر، كما عقدنا مجالس لذلك حضرها بعض علماء

الأزهر، وأساتذة المدارس العليا وغيرهم، ونشرنا صورة حكم هيئة كبار العلماء

على مؤلفه بطرده من علماء الأزهر، وما ترتب عليه من حكم الحكومة بطرده من

المحاكم الشرعية، وسنعود إلى ما تركنا بحسب الحاجة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

أسرار البلاغة أو فلسفة البيان

(تابع لما نشر في الجزء الخامس)

وإذا ثبت هذا الأصل وهو أن تصوير الشبه بين المختلفين في الجنس مما

يحرك قوي الاستحسان، ويثير الكامن من الاستظراف، فإن التمثيل أخص شيء

بهذا الشان، وأسبق جار في هذا الرهان، وهذا الصنيع صناعته التي هو الإمام

فيها، والبادئ لها والهادي إلى كيفيتها، وأمره في ذلك أنك إذا قصدت ذكر ظرائفه

وعد محاسنه في هذا المعنى، والبدع التي يخترعها بحذقه، والتأليفات التي يصل

إليها برفقه، ازدحمت عليك، وغمرت جانبيك، فلم تدر أيها تذكر، ولا عن أيها

تعبر، كما قال:

إذا أتاها طالب يستامها ... تكاثرت في عينه كرامها

وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر بعد ما

بين المشرق والمغرب، ويجمع ما بين المشئم والمعرق [1] ، وهو يريك للمعاني

الممثلة بالأوهام شبها في الأشخاص الماثلة، والأشباح القائمة، وينطق لك الأخرس،

ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد، ويريك التئام عين الأضداد،

فيأتيك بالحياة والموت مجموعين، والماء والنار مجتمعين، كما يقال في الممدوح:

هو حياة لأوليائه، موت لأعدائه، ويجعل الشيء من جهة ماء ومن أخرى نارا

كما قال:

أنا نار في مرتقى نظر الحا ... سد ماء جار مع الإخوان

وكما يجعل الشيء حلوا مرا، وصابا عسلا، وقبيحا حسنا، كما قال:

حسن في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السوام [2]

ويجعل الشيء أسود أبيض في حال كنحو قوله:

له منظر في العين أبيض ناصع ... ولكنه في القلب أسود أسفع [3]

ويجعل الشيء كالمقلوب إلى حقيقة ضده كما قال:

غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما [4]

ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا كقوله:

دان على أيدي العفاة وشاسع

وحاضرا وغائبا كما قال:

أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الحاضر الغائب

ومشرقا مغربا كقوله:

له إليكم نفس مشرقة ... إن غاب عنكم مغربا بدنه

وسائرا مقيما كما يجيء في وصف الشعر الحسن الذي يتداوله الرواة،

وتتهاداه الألسن، كما قال القاضي أبو الحسن:

وجوابة الأفق موقوفة ... تسير ولم تبرح الحضرة

وهل يخفى تقريبه المتباعدين، وتوفيقه بين المختلفين، وأنت تجد إصابة

الرجل في الحجة وحسن تخليصه للكلام، وقد مثلت تارة بالهناء ومعالجة الإبل

الجربى به [5] , وأخرى بحز القصاب اللحم، وإعماله السكين في تقطيعه وتفريقه في

قولهم: (يضع الهناء مواضع النقب (وهو الجرب) ، ويطبق المفصل) [6] ،

فانظر هل ترى مزيدا في التناكر والتنافر على ما بين طلاء القطران، وجنس

القول والبيان، ثم كرر النظر، وتأمل كيف حصل الائتلاف، وكيف جاء من جمع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٦٦